أكاديميون يفككون التصور التقليدي حول دور الصحراء في التاريخ الإفريقي

يجدد موعد تاريخي فكري دولي بالرباط النظر في العلاقات الثقافية والفكرية والعلمية للصحراء الكبرى مع امتداداتها في الشمال والجنوب الإفريقيين، بوصفها فاعلا محوريا، لا مجرد قنطرة ربط كما قدمت في أبحاث وتصورات.

بعنوان “عالم مترابط: الشبكات العلمية والتقاليد الإسلامية في منطقة الصحراء: من القرن الحادي عشر إلى القرن التاسع عشر”، ينظم المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، التابع لأكاديمية المملكة المغربية، هذه الندوة الدولية، بمشاركة أكاديميين من المغرب وموريتانيا وتونس وإسبانيا والولايات المتحدة الأمريكية والنيجر وفرنسا وإيطاليا وألمانيا.

وفي تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، قال رحال بوبريك، مدير المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، إن هذا الموعد استمرار لمشروع “التاريخ العالمي للمغرب” المنطلق منذ سنة ونيّف؛ وقد استهلته ندوة في يناير 2025، ثم تكوين للطلبة الباحثين في التاريخ المترابط للمغرب، فندوة حول المغرب في زمن العولمة الأولى في القرن الخامس عشر.

وتابع: “هذه سلسلة تكوينات ومحاضرات تحاول الانفتاح على المجال الصحراوي، ودراسة الترابط القوي بين شمال إفريقيا عموما وجنوبها الصحراوي، والعلاقات الثقافية والفكرية والعلمية التي ظلت قوية حتى في الطرق والتصوف”؛ فقد “ظلت الصحراء لا كنقنطرة، بل كفاعل رئيسٍ في هذه العلاقات المغاربية عموما، وخصوصا في المجال الصحراوي بارتباطه الكبير بالمغرب”.

ومن بين الأفكار المطروحة في اليوم الأول من الندوة الدولية المبرمج استمرارها ثلاثة أيام، دعوة الأكاديمية الإسبانية غارسيا نوبو مارتا إلى تجاوز “التأطيرات الاستعمارية” حول تاريخ الإسلام في إفريقيا الغربية، وإفريقيا عامة.

في حين استعان بروس س. هول، الأكاديمي في جامعة كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية، بمخطوطات مالي، ليبرز تأثير أحمد بابا التمبكتي في مراكش والمغرب، والتاريخ الذي لا يقتصر على التبادل التجاري بل يمتد إلى المعرفة الإسلامية، والتأثير المتبادل بين “علماء المنطقة” الظاهر في “الكتابات المخطوطة”.

أما عبد الودود ولد عبد الله، الأستاذ بجامعة نواكشوط بموريتانيا، فاختار التركيز على “أهمية الرحلات التاريخية كجانب من جوانب التواصل عبر الصحراء، وتظهر استمرار التأثر والتأثير عبر الصحراء”، وتنسف “نظريات ترى أن الصحراء كانت منطقة فارغة ومجرد جسر”، بينما في واقع الأمر كانت الصحراء الكبرى أرض “إبداع”، وتثبت خطأ النظرية التي تعتقد بأحادية التأثير من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب.

وانطلاقا من رحلة ابن طوير الجنة الحجية، أبرز المتحدث تفاعلات “العاطفة والحكم” باستحضار فتاوى علماء حرمت الحج في فترات من الصحراء الكبرى وصولا إلى الأندلس نتيجة عدم الأمن، واستحضر الرحلات الحجية التي كان ينظمها المغرب، وما تخبر به التطلعات للمشاركة فيها من الأطراف، فضلا عما تمثله من أهمية في التأثر والتأثير.

وتروم الندوة الدولية “تقديم عمل تركيبي أولي لتاريخ النبوغ العلمي الإسلامي في الصحراء وللتقاليد العلمية في هذا المجال التي تندرج ضمن حركية علمية وثقافية عالمية مشابهة لتلك التي لوحظت في مناطق أخرى من العالم الإسلامي، وذلك منذ القرن الحادي عشر إلى نهاية القرن التاسع عشر”.

وتقف محاور الندوة عند “الأدوار التي قامت بها الحركية البشرية والعلمية والثقافية، ولا سيما الرحلات إما لأداء فريضة الحج أو لطلب العلم وتنقلات العلماء وديناميات الزوايا الصوفية والقوافل التجارية، في نسج خيوط هذه الترابطات وتبادل التأثيرات الدينية والصوفية وإقامة صلات علمية وانتقال الأفكار والثقافات والمعارف، والبناء التدريجي لشبكة من الروابط الفكرية والثقافية تمتد من الساحل الأطلنطي إلى نهر النيل، مما أدى إلى إثراء الفكر والعلوم والآداب والثقافة في هذا المجال عامة وفي المنطقة الصحراوية خاصة”.

كما يرصد المشاركون “الثغرات المعرفية والمنهجية ومواطن النقص في الدراسات السابقة”، مع “استشراف الآفاق العلمية لهذا الموضوع، بما يفضي إلى توسيع زاوية النظر لتشمل مناطق ظلت خارج اهتمام الباحثين ومن الناحية المعرفية معارف ناشئة لكنها لم تحظ بعناية الباحثين مثلما حظي به الفقه والتصوف، وتتمثل بالخصوص في علمي الكلام واللغة”.

ومن بين ما يسعى إليه مشروع المغرب وتاريخه العالمي الذي أطلقه المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب التابع لأكاديمية المملكة، “تجاوز الصورة النمطية عن مغرب معزول ومنغلق على نفسه، التي رسختها كثير من الروايات التاريخية التي ظلت سائدة في الأسطوغرافيا المغربية المعاصرة، وخاصة الكتابات الاستعمارية والوطنية”.

The post أكاديميون يفككون التصور التقليدي حول دور الصحراء في التاريخ الإفريقي appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress