أكاديميون: تجديد القواعد الانتخابية رهين بإصلاح عميق للأحزاب السياسية
أجمع أكاديميون في العلوم السياسية والقانونية والاجتماعية على أن إصلاح المنظومة الانتخابية بالمغرب يشكل مدخلاً أساسياً لإعادة بناء الثقة في المشهد السياسي، غير أن هذا الإصلاح لا يمكن أن يقتصر على مراجعة القوانين والنصوص المؤطرة للعملية الانتخابية، بل يستوجب مقاربة شمولية تأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الثقافية والاجتماعية، وتعزز أدوار الفاعلين السياسيين، خاصة الأحزاب، في التأطير والتعبئة واستعادة ثقة المواطنين.

جاء هذا ضمن ندوة جمعت ثلة من الأكاديميين من ست جامعات مغربية، مساء اليوم الأحد، بعنوان “إصلاح المنظومة الانتخابية كمدخل لإعادة بناء الثقة في المشهد السياسي”، انعقدت برحاب المعهد العالي لتقنيات الإعلاميات والتجارة والتسيير ببرشيد، بتنظيم من جمعية المجلس الموازي لشؤون المرأة.
وخلصت المداخلات إلى أن “المشاركة السياسية، خاصة لدى النساء والشباب، تظل رهاناً لإنجاح أي إصلاح ديمقراطي وإعادة الاعتبار للأحزاب، إلى جانب ضرورة ترسيخ الديمقراطية الداخلية داخل الأحزاب، باعتبارها شرطاً أساسياً لمصداقيتها وقدرتها على الإسهام الفعلي في تأهيل المشهد السياسي وإعادة الثقة فيه”.
التغيير السياسي
سكينة بنكيران، أستاذة القانون العام بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بفاس، اعتبرت أن المشهد السياسي المغربي اليوم مازال في حاجة ماسة إلى حضور فعلي وقوي للنساء في العملية الانتخابية، سواء كأصوات داخل صناديق الاقتراع أو كفاعلات سياسيات يساهمن في صناعة القرار، فإقصاء نصف المجتمع، بل أكثر من نصفه، أو الاكتفاء بحضور شكلي له، يفرغ العملية الديمقراطية من مضمونها، معتبرة أن تسجيل النساء في اللوائح الانتخابية ومشاركتهن كمرشحات ومصوّتات هو ممارسة لحق دستوري، بل ورهان على تحقيق عدالة تمثيلية تعكس الواقع المغربي بكل تنوعه.

أما في ما يتعلق بالشباب فأكدت بنكيران أثناء إلقاء كلمتها أن “أكبر خطر اليوم ليس في عزوفهم الكبير فقط، بل في ترسخ قناعة لديهم بأن السياسة مجال مغلق أو فاسد بطبيعته، وأن هذا التصور، رغم ما قد يستند إليه من تجارب سلبية، لا يمكن أن يكون مبرراً للانسحاب، لأن ترك الساحة فارغة لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الاختلالات نفسها”، مشددة على أن “المطلوب اليوم هو الانتقال من منطق الرفض المجرد إلى منطق الفهم والمساءلة والمشاركة؛ فالشباب مدعوون إلى أن يسائلوا الفعل السياسي، وأن يفهموا آلياته، وينخرطوا فيه بوعي، بدل الاكتفاء بتكرار أحكام جاهزة سلبية دائما لا تغير شيئاً في الواقع”.
وأضافت أستاذة القانون العام أن “من يريد تغيير الواقع السياسي لا يمكنه أن يظل خارجه؛ فالمعرفة الحقيقية بالسياسة لا تُكتسب من بعيد، بل من داخل الممارسة والتجربة، والمطالبة بالإصلاح لا تكون فعالة إلا عندما تقترن بالمشاركة الفعلية، سواء عبر التصويت، أو الانخراط الحزبي، أو العمل المدني الذي يفتقر إليه أغلب شباب هذا الجيل”، مردفةً بأن “التغيير ليس شعاراً، بل مسار يتطلب نفساً طويلاً وإرادة جماعية، تبدأ من وعي الفرد بدوره كمواطن يمكنه أن يكون فاعلا في المشهد السياسي، وتنتهي ببناء مؤسسات أقوى وأكثر تمثيلاً؛ لذلك فإن الرهان اليوم هو تحويل هذا الوعي إلى فعل، لأن المشاركة وحدها هي الكفيلة بكسر الجمود وصناعة البديل”.

تجميع الأحزاب
مصطفى القاسيمي، أستاذ القانون الدستوري العلوم السياسية بكلية العلوم القانونية والسياسية بسطات، قال إن “فهم حالة العزوف الانتخابي وفقدان الثقة في الأحزاب السياسية بالمغرب لا يمكن أن يتم بمعزل عن تفكيك طبيعة نمط الاقتراع وتشخيص أعطاب الممارسة السياسية برمتها؛ فالأزمة ليست ظرفية، بل بنيوية، ترتبط بشكل وثيق بكيفية إنتاج النخب، وطبيعة التمثيلية، ومدى قدرة الأحزاب على تأطير المواطنين واستعادة ثقتهم”.
وجاء القاسيمي في مداخلته بأطروحة اعتبر فيها أن “أول مدخل حقيقي للإصلاح يتمثل في مراجعة نمط الاقتراع المعتمد؛ فالاكتفاء بنمط واحد، سواء كان أغلبيًا أو نسبيًا، لم يعد كافيًا للاستجابة لتعقيدات المشهد السياسي، لذلك لا بد من اعتماد المغرب نمط الاقتراع المختلط كخيار متوازن، سيمكنه من أن يجمع بين مزايا التمثيلية النسبية وضمان الفعالية والنجاعة في الأداء السياسي، كما من شأنه أن يعزز الإحساس بالعدالة الانتخابية لدى المواطنين، ويقوي ثقة المواطن في جدوى صوته”.
واعتبرت أطروحة الأكاديمي ذاته أن “إصلاح القواعد التقنية للانتخابات، رغم أهميته، يظل غير كافٍ ما لم يواكبه إصلاح عميق للبنية الحزبية نفسها”، وزاد: “وهنا تبرز الحاجة الملحّة إلى الانتقال نحو بناء أقطاب سياسية واضحة المعالم، تقوم على تجميع الأحزاب في ثلاث كتل كبرى: قطب محافظ، وقطب إصلاحي ليبرالي وسطي، وقطب يساري اجتماعي. هذا التوجه من شأنه أن ينهي حالة التشتت الإيديولوجي، ويوفر وضوحًا في الاختيارات السياسية، ويمنح الناخب إمكانية التمييز الحقيقي بين المشاريع المجتمعية المتنافسة”.
واسترسل أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية: “لتحقيق ذلك يصبح من الضروري إعادة النظر في العتبة الانتخابية، بشكل يدفع الأحزاب الصغيرة إلى الاندماج أو التحالف داخل هذه الأقطاب، بما يفرز في النهاية مشهدًا سياسيًا أكثر انسجامًا واستقرارًا، قائمًا على ثلاثة مشاريع كبرى بدل فسيفساء أحزاب مشتتة وضعيفة الأثر”.

الديمقراطية الداخلية
عبد الغاني السرار، أستاذ العلوم السياسية بكلية العلوم القانونية والسياسية بالجديدة، أكد أن “مختلف القوانين التي اعتمدها المغرب منذ سنة 1963، سواء على مستوى النص الدستوري أو القوانين التنظيمية المؤطرة للعملية الانتخابية، ولا سيما المرتبطة بالعمل الحزبي، حملت في مجملها تعديلات إيجابية تروم تحسين المشهد الحزبي والسياسي”، مشددا على أن تغيير المجتمع لا يمكن أن يتم عبر القوانين وحدها، مهما كانت جاذبيتها، دون استحضار السياق الثقافي والاجتماعي والسياسي.
وفي استحضاره المقاربة التاريخية أوضح المتدخل ذاته أن “سياق تأسيس عدد من الأحزاب في المغرب، الذي ارتبط أساساً بظاهرة الانشقاقات الحزبية، يعد عاملاً حاسماً لفهم طبيعة المشهد السياسي من جذوره؛ فهذه الأحزاب لم تنشأ بشكل مستقل، بل انبثقت عن أخرى، وهو ما أثر على مستوى الديمقراطية الداخلية داخل بعضها، وإن بدرجات متفاوتة، وبالتالي لا يمكن للأحزاب أن تدعو إلى الإصلاح داخل المجتمع وهي تفتقر إليه على مستوى بنيتها الداخلية”.
وفي هذا السياق استحضر السرار مقتضيات الفصل السابع من الدستور “الذي ينص على ضرورة تنظيم الأحزاب وفق مبادئ ديمقراطية”، مبرزاً أن “عدداً من المؤتمرات الحزبية تُنظم في أجواء تطبعها التجاذبات والصراعات حول القيادة” وتابع: “رغم احترامها الشكلي أنظمتها الداخلية لم تنجح أحزاب أخرى في أداء وظائفها القانونية، خاصة ما يتعلق بالتداول الحقيقي على القيادة، ولا في أدوارها السوسيولوجية المرتبطة بربط الصلة بين الأجهزة المركزية والترابية، ولا حتى في تحقيق الأثر السياسي المنتظر، وهو ما انعكس سلباً على نجاعتها في تأهيل المشهد السياسي، ما يفسر ضعف الثقة فيها”.
The post أكاديميون: تجديد القواعد الانتخابية رهين بإصلاح عميق للأحزاب السياسية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.