أفراح المنتخب الوطني المغربي تتجاوز الرياضة إلى بناء "الوجدان الجمعي"

تتجاوز الاحتفالات الجماهيرية العارمة المصاحبة لانتصارات المنتخب الوطني المغربي حدود “المستطيل الأخضر” لتتحول إلى “لحظة سيكو-اجتماعية بامتياز” تُعيد صياغة الهوية الوطنية وترميم التماسك المجتمعي.

من منظور سوسيولوجي وسيكولوجي مركّب، كرّست كرة القدم مكانتها “طقسا طاقيا” قادرا على صهر الأفراد في بوصلة رمزية موحدة وتوليد “وجدان جمعي” عابر للاختلافات؛ إذ يستدعي كل إنجاز كروي جديد مخزون الثقة التاريخي (كـ”مونديال قطر 2022″) ليعيد تعريف صورة الذات الجماعية، ويدمج الانتماء الوطني في بناء الهوية الشخصية للمواطنين، مفرزا بذلك حالة من الإجماع الوطني النادر التي ترفع تقدير الذات الجماعي أمام العالم.

وقدّر مختصون تحدثت إليهم هسبريس أن هذه الطفرات الاحتفالية ذاتُ “وظيفة تعويضية حاسمة في ترميم المزاج العام للمجتمع”، موفّرة مساحة حيوية للتنفيس الانفعالي الإيجابي الذي يخفف من وطأة الضغوط اليومية والأزمات السوسيو-اقتصادية الضاغطة (غلاء المعيشة وتحديات البطالة…).

ومن خلال آلية “العدوى الانفعالية”، تنتقل مشاعر الأمل والاعتزاز لتجتاح الشارع والمقهى والمنصات الرقمية، محوّلة “الفرح الظرفي” للمباريات إلى “رأسمال نفسي مستدام يعزز الصمود الجماعي”، وهو ما يضع المجتمع أمام رهان حقيقي يكمن في استثمار هذه الشحنة الرمزية الإيجابية لتحويل قيم الانضباط، والعمل الجماعي، والإصرار إلى سلوك مواطنة دائم ومستدام، يتجاوز حدود المناسبة الرياضية المؤقتة.

“وجدان جمعي”

أكد عبد الرحيم بورقية، أستاذ باحث بمعهد علوم الرياضة بسطات مختص في سوسيولوجيا جماهير الكرة، أن انتصارات المنتخب المغربي تمثل “لحظة اجتماعية بامتياز” تعيد إنتاج مشاعر الانتماء وتعزز التماسك المجتمعي. واستحضر بورقية، في تصريح لجريدة هسبريس، أطروحة عالم الاجتماع “إميل دوركايم” حول أهمية الطقوس الجماعية في توليد التضامن وتقوية الروابط، مشيرا إلى أن الالتفاف حول الرمز الوطني يتجاوز التعبير العابر عن الفرح ليتحول إلى ممارسة تُجدد الهوية وتصهر الأفراد في بوصلة قيمية ورمزية واحدة.

وأوضح الباحث عينه أن “الفرح الظرفي” المصاحب للمباريات سرعان ما يتطور ليُشكل “وجدانا جمعيا” يشعر معه الملايين بأنهم جزء من قصة مشتركة تفيض بالفخر والأمل، ممتدة من الملاعب إلى الشوارع، والمقاهي، ومنصات التواصل. ويرى بورقية أن هذا الزخم يستمد عمقه النفسي من الإرث التاريخي لمونديال قطر 2022، الذي حفر أثرا عميقا في الذاكرة الجماعية وأعاد تعريف صورة الذات المغربية كقوة قادرة على الإنجاز العالمي؛ بحيث يستدعي كل نجاح جديد مخزون الثقة والاعتزاز ذاك تلقائيا.

وعن دينامية انتشار هذه الاحتفالات، أبرز بورقية مفهوم “العدوى الانفعالية” لدوركايم، مبينا كيف تنتقل مشاعر البهجة سريعا وتجتذب حتى غير المهتمين باللعبة عبر التفاعل المباشر والوسائط الرقمية والإعلامية. وتلبي هذه الحالة العفوية حاجة نفسية واجتماعية ملحة؛ إذ توفر مساحة للتنفيس الانفعالي الإيجابي في ظل الضغوط الاقتصادية والتحديات المهنية واليومية، مما يمنح المجتمع فرصة لكسر الرتابة واستعادة التفاؤل.

غير أن الخبير السوسيولوجي دعا إلى ضرورة التمييز بين الأثر المؤقت والأثر المستدام؛ فبينما تنجح كرة القدم في تحسين المزاج العام وصناعة لحظات نادرة من الإجماع الوطني التي تذوب معها الانقسامات، فإنها لا تملك بمفردها معالجة المشكلات الاجتماعية أو الاقتصادية. وخلص بورقية إلى أن الرهان الحقيقي يكمن في تحويل قيم المنتخب- كالانضباط، العمل الجماعي، والإصرار– إلى “رأسمال نفسي واجتماعي دائم” يستثمر تلك الطاقة الإيجابية لترسيخ قيم المواطنة، التضامن، والثقة في المستقبل، بدلا من إبقائها رهينة لنتائج المباريات فحسب.

“ترميم المزاج”

من منظور سيكولوجي، أكدت بشرى المرابطي، أخصائية نفسية باحثة في علم النفس الاجتماعي، أن مظاهر الفرح العارم التي تجتاح الشارع المغربي عقب الانتصارات الرياضية للمنتخب الوطني-آخرُها الفوز الوجيه على نظيره الهولندي-تتجاوز كونها مجرد رد فعل عابر على نتيجة عادية. وأوضحت أن هذه الاحتفالات تمثل ظاهرة نفسية واجتماعية مركبة؛ إذ يتحول الفريق الوطني من مجرد تشكيل رياضي منافس إلى تجسيد حي للهوية الوطنية، يترجم نجاحه سيكولوجيا إلى انتصار جماعي يتقاسمه كل أفراد المجتمع، حتى أولئك الذين لم يشاركوا في صناعته أو يتابعوه من قلب الحدث.

واستنادا إلى “نظرية الهوية الاجتماعية”، أشارت المرابطي، في حديثها لهسبريس، إلى أن الأفراد يدمجون انتماءهم الوطني في بناء ذواتهم، ما يجعل الفوز الكروي رافعة أساسية لرفع تقدير الذات الجماعي، وتعزيز مشاعر الفخر والاعتزاز، وتحسين صورة الوطن أمام العالم. وتتعزز هذه الدينامية عبر آلية “العدوى الانفعالية الإيجابية”، حيث تنتقل مشاعر البهجة بسرعة فائقة بين المواطنين عبر التفاعلات اللفظية وغير اللفظية، لتعيد إنتاج قيم التضامن والاندماج الوثيق داخل الجماعة الوطنية.

وأضافت الباحثة أن إسقاط خصم تاريخي بوزن المنتخب الهولندي يسهم في تنشيط ميكانيزمات المكافأة العصبية المرتبطة بالإنجاز والأمل، خصوصا عندما يأتي الفوز في سياق يتسم بارتفاع التوقعات وندرة الإنجازات المماثلة. لكن الأبعاد السيكولوجية الأعمق تكمن في “الوظيفة التعويضية” لهذا الانتصار؛ إذ يتيح الفوز مساحة ضرورية للتنفيس الانفعالي، والتخفيف من حدة الضغوط والإحباطات اليومية المرتبطة بالأزمات السوسيو-اقتصادية الحالية، من غلاء المعيشة وتكاليف الأضاحي، إلى إشكالات التوظيف، والصحة، والتعليم.

واختتمت المرابطي تحليلها بالـتأكيد على أن الأثر الحقيقي لانتصارات المنتخب لا يكمن في النتيجة الرقمية للمباراة ذاتها، بل في قدرتها الرمزية على إعادة بناء “المعنى المشترك” للمواطنة، وتعزيز الصمود النفسي الجماعي. هذا التحول السيكولوجي-الذي تُلخصه العبارات العفوية المفعمة بالفخر-يُسهم في تنمية رأس المال النفسي للمجتمع عبر زرع التفاؤل وتثبيت الكفاءة الجمعية في مواجهة التحديات، وهو ما يفسر تحول هذه المحطات الرياضية إلى أمجاد تاريخية راسخة في الذاكرة الجمعية للشعب المغربي.

The post أفراح المنتخب الوطني المغربي تتجاوز الرياضة إلى بناء "الوجدان الجمعي" appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress