أطفال مرضى سرطان ضحايا للحرب

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

تترك الحرب أثرها على الأفراد في مختلف المجالات. وإن كان الأطفال عموماً هم الفئات الأكثر هشاشة والأكثر تضرّراً، فكيف بالأحرى إن كانوا من مرضى السرطان، إذ تترك الحرب أثراً كارثياً عليهم، خصوصاً في ظل النزوح ومغادرة كثيرين منازلهم. فالتزام العلاج من المسائل التي لا نقاش فيها، وأي تأخير في العلاج يمكن أن يهدد حياة المريض بالخطر أو يؤثر سلباً على فرص تعافيه. لذلك، يحذر الأطباء من التأخير في تلقي جرعات العلاج ومن أي تهاون أو انقطاع في العلاج نظراً إلى تداعياته الخطيرة على المرضى.

 

 

مرض ونزوح
تتحدّث نور عن حالة ابنتها كوثر البالغة سبع سنوات والتي بدأت تشعر بأعراض المرض بعد الحرب في عام 2024. عانت آنذاك ألماً في المعدة ولم تعد تتقبّل أي طعام بعكس ما جرت العادة. وعندما اصطحبتها لدى الطبيب بعدما عانت من صفير في الصدر أيضاً، طلب لها الطبيب مباشرة صورة لمعدتها بينت وجود ورم كبير على الكلية. وخلال ما لا يزيد عن أسبوعين، تطورت الأعراض وازدادت سوءاً  مع انقطاع عن الأكل وتقيؤ وإعياء شديد. عندها قصدت العائلة مركز سرطان الأطفال في لبنان، وتم قياس مستوى الضغط لديها ليتبيّن أنه وصل إلى 10/19 ما استدعى إدخالها مباشرة إلى المستشفى بشكل طارئ. اتخذ القرار بأن تخضع كوثر للجراحة مباشرة. وبالفعل جرى استئصال الورم والكلية وكان الورم قد وصل إلى عضلات الظهر.

تشير والدة كوثر إلى أن طفلتها تميزت بالقوة وقد تحمّلت الأوجاع بشكل لافت من دون بكاء حتى رغم الصعوبات المرتبطة بالجراحة، ولم تكن تبكي إلا لدى ابتعاد والدتها عنها.
في ظروف الحرب الصعبة، لا تزال العائلة في جنوب لبنان رغم أن بلدتها  مهددة بالخطر بعد أن واجهت صعوبة في الانتقال إلى بيروت. الخوف موجود من دون شك، لكن أفراد العائلة يحاولون باستمرار السيطرة عليه. وبحسب الوالدة، هناك حرص على تجنيب كوثر أي مشاعر سلبية أو خوف وهي "خط أحمر" ويمنع على أي أحد أن يزعجها. فهناك عناية قصوى بها وبصحّتها النفسية رغم القصف المحيط.
في الوقت نفسه لا تنكر الوالدة أن التحديات كثيرة بسبب التنقل من الجنوب إلى بيروت لتلقي العلاج أسبوعياً في ظروف الحرب، وإن كان مركز سرطان الأطفال استمر بتأمين العلاج مع اهتمام خاص بالصحة النفسية للأطفال والتعامل معهم وكأنهم أفراد من عائلة. اليوم، تترقب العائلة نتائج الفحوص التي أجرتها كوثر للتأكد مما إن سجّل التحسن المطلوب لمتابعة العلاج، أو بغير ذلك يتم الانتقال إلى علاج آخر. وفي كل الحالات هي حريصة على تأمين العلاج لكوثر مهما كلف الأمر ورغم كل الصعوبات ولن يكون هناك أي تقصير في ذلك.
بين القلق والسرطان
أما رزان (11 سنة) فشُخّص المرض لديها بعد أوجاع حادة عانتها في الظهر والساقين مع التواء في القدمين بعد ذهابها في رحلة مدرسية. وعندما أجريت لها الفحوص اللازمة، كانت النتيجة مربكة للطبيبة نفسها وأدخلت إلى المستشفى مباشرة، إذ تبيّن أنها تعاني تضخماً في الطحال والكبد وأنها تعاني سرطاناً في الدم مع ورم في الظهر. بدأت رزان تلقي العلاج، وإن لم يكن هناك أمل كبير لدى الأطبّاء بنجاتها. لكن رزان كانت قوية من اللحظات الأولى، بحسب والدتها، رغم الأوجاع الحادة التي عانتها ورغم أنها لم تكن قادرة على النهوض من السرير ولا تسمح لأحد بلمسها من شدة الوجع. حتى إنها اليوم عاجزة عن المشي بعد أكثر من عام.
تدرك والدتها أن رزان تخاف وتتألم، لكنها تؤكد أنها قوية. حتى إنها عانت جلطة وتجري حقناً باستمرار وتحتاج إلى علاج فيزيائي. لسوء الحظ، خلال فترة العلاج والمرض، عاشت رزان تجربة الحرب والنزوح مرتين، ما يؤكد حجم المعاناة والتحديات التي تواجهها. ففي المرة الأولى كانت تخضع للعلاج الكيماوي عندما اندلعت الحرب، وهربت العائلة من منزلها وعانت كثيراً من شدة التوتر والخوف وواجهت مشكلة ورم حاد في القدمين. اليوم، انتقلت العائلة إلى الجبل بعيداً عن أجواء الحرب والقصف، ويشكل هذا تحدياً إضافياً نظراً إلى ضرورة التوجّه إلى مركز سرطان الأطفال في بيروت باستمرار. فبحسب الأم، زاد النزوح الأمور تعقيداً، إضافة إلى ظروف الحرب التي تزيد مستويات التوتر لدى العائلة ولدى رزان تحديداً التي تعاني أصلاً من التوتر المرتبط بالمرض. وهي تشعر بخوف شديد من كل الأصوات المرتبطة بالحرب ومنها الطيران. والأسوأ أنها تلازم المنزل لأن مرضها يمنعها من الذهاب إلى المدرسة فيما هي تتوق لذلك. رغم ذلك تحاول العائلة كلها دعمها حتى تتخطى كل هذه الصعوبات.

حرب ليست كسابقاتها والسرطان لا ينتظر
التحديات المرتبطة بالحرب يواجهها الأطفال بصعوبة كبيرة، لكن أيضاً تبرز في هذه المرحلة الدقيقة صعوبة تأمين علاجاتهم. وبحسب مشرفة الشؤون الدولية في مركز سرطان الأطفال  آية-صوفيا خيرالله، في المركز وحده 55 طفلاً نازحاً يتلقون علاجاً من السرطان من دون مقابل، ويلتزم المركز الوقوف إلى جانبهم وإلى جانب كل الأطفال الذين يتلقون علاجات فيه مجاناً. لكن التحديات كثيرة في الحرب حالياً، بوجود عجز سجّل في المركز والخوف هو من استمرار الأمور على هذه الحالة ما يهدد بمزيد من الصعوبات. وحتى في حال انتهاء الحرب، ثمة حاجة إلى الوقت حتى تعود الأمور إلى طبيعتها. ففي ظل الحرب توقف التمويل، وفيما كان هناك اعتماد على دول الخليج، لكن بسبب التوتر في المنطقة كاملة توقف أي دعم خارجي، وهي المرة الأولى التي يتوقف فيها هذا الدعم بسبب الحرب.  لذلك، كان وقع الحرب هذه المرة أشد وطأة. حتى إن النشاطات التي يعتمد عليها المركز بالكامل للتمويل توقفت تماماً في فترة الحرب. لذلك، تشير خيرالله إلى أنه كانت هناك حاجة لإطلاق حملة "السرطان ما بينطر" والتركيز على وسائل التواصل الاجتماعي ليكون من الممكن الاستمرار بتوفير العلاجات للأطفال في المركز الذي يرفض التخلي عن أي طفل، ولا يرفض ملف أي طفل يحتاج إلى علاج. رغم ذلك، تؤكد خيرالله أن هناك تخوفاً من الاضطرار إلى وقف استقبال المزيد من المرضى إذا استمر الوضع على حاله، رغم وجود مؤسسات تابعة للمركز في دول مثل الولايات المتحدة وبريطانيا والإمارات العربية المتحدة تستقبل التبرعات في ظل أنظمة تشجع على التبرع عبر خفض الضرائب على المتبرع.
وتشير خيرالله إلى وجود أطفال في المركز من مختلف المناطق اللبنانية،  منهم أطفال من الجنوب والبقاع اضطروا إلى نقل مكان إقامتهم بسبب الحرب، ما يزيد الصعوبات عليهم. وفي مثل هذه الحالات، تزيد الحاجة إلى توفير المساعدة النفسية لهم بسبب ارتفاع مستويات القلق والخوف والتوتر بسبب الحرب والمرض أيضاً. ويجري العمل لتسهيل عملية النقل إلى مستشفيات عديدة جرى التعاقد معها في هذه الظروف لتسهيل الوصول إلى العلاج من دون تأخير، علماً بأن كلفة علاج السرطان تراوح بين 40 و200 ألف دولار بحسب الحالة.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية