"أطباء بلا حدود" لـ"النهار": وضع إنساني كارثي في غزة بعد 6 أشهر من وقف النار
بعد ستة أشهر من تنفيذ وقف النار في غزة في 10 تشرين الأول\أكتوبر 2025، وعلى رغم انخفاض حدة النزاع، لا يزال الواقع الإنساني كارثياً والظروف المعيشية للفلسطينيين متردية. لذلك، دقت منظمة "أطباء بلا حدود" ناقوس الخطر بشأن استمرار الهجمات العنيفة التي تشنها القوات الإسرائيلية وبشأن السيطرة العسكرية الآخذة في التوسع باستمرارٍ على القطاع، إضافة إلى استمرار إسرائيل في عرقلة المساعدات، والتي تؤدي إلى مزيدٍ من الوفيات التي يمكن تجنبها من دونها بشكلٍ كلي.
في حديث خاص الى "النهار"، لفتت مديرة المكتب الإعلامي الإقليمي لمنظمة "أطباء بلا حدود" سلوى أبو شقرا الى تحدياتٍ كثيرة في القطاع منها النقص في المياه النظيفة والغذاء والكهرباء والوصول إلى الرعاية الصحية، إذ يتعرض النظام الصحي المتهالك لمزيدٍ من الخنق بسبب عرقلة المساعدات، وإلغاء إسرائيل تسجيل 37 منظمةً غير حكوميةٍ دولية تقدم مساعداتٍ حيوية في غزة، بما في ذلك "أطباء بلا حدود".
وضع إنساني كارثي وانهيار النظام الصحي
وتشير الأرقام إلى أنه حتى 8 نيسان\أبريل، قُتل ما لا يقل عن 733 شخصاً وجُرح 1913 شخصاً منذ وقف النار في 10 أكتوبر، وفقاً لوزارة الصحة في غزة. وكانت هناك استجابة شهرية لفرق "أطباء بلا حدود" للعديد من حوادث الإصابات الجماعية، وعالجت ما لا يقل عن 244 مصاباً من إصاباتٍ ناجمة عن الهجمات الإسرائيلية، بما في ذلك الكثير من الأطفال. بشكل عام، يواجه قطاع غزة تحدياتٍ مركبة ومترابطة تظهر أن الوضع الإنساني لا يزال كارثياً رغم مرور ستة أشهر على وقف النار، وفق ما أوضحت أبو شقرا. ومن أبرز التحديات، استمرار العنف، حيث لا تزال الهجمات تتكرر وتؤدي إلى سقوط قتلى وجرحى بشكلٍ مستمر، ما يضع ضغطاً متواصلاً على المرافق الصحية. ويترافق ذلك مع تقلص المساحات المتاحة للمدنيين نتيجة السيطرة العسكرية، ما يدفع مئات الآلاف إلى العيش في مناطقٍ مكتظة للغاية تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.
إلى جانب ذلك، تبقى القيود المفروضة على دخول المساعدات الإنسانية من أبرز التحديات، إذ تعاني فرق منظمة "أطباء بلا حدود" من صعوباتٍ كبيرة في إدخال الإمدادات الطبية الأساسية، بما في ذلك الأدوية والمعدات الضرورية، ما يحدّ بشكلٍ مباشر من قدرتها على تقديم الرعاية، خصوصاً الى المرضى الذين يعانون من أمراضٍ مزمنة.
كذلك يشهد النظام الصحي حالة انهيارٍ شبه كاملة، في ظل نقصٍ حاد في الموارد وضغطٍ هائل على الكوادر الطبية. هذا الواقع يتفاقم في ظل محدودية عدد المرافق الصحية العاملة، إذ أصبحت المستشفيات القادرة على تقديم خدماتٍ أساسية نادرةً للغاية.
وتوضح أبو شقرا إن مستشفى ناصر يبرز كمثالٍ على التحديات التشغيلية المعقدة التي تواجهها المنظمة. فقد اضطرت فرق "أطباء بلا حدود" إلى تعليق الأنشطة غير الطارئة في المستشفى لمدةٍ بسبب مخاوفٍ تتعلق بسلامة المرضى والطاقم الطبي. ورغم استئناف الأنشطة لاحقاً بعد تحسن الظروف واتخاذ إجراءاتٍ للحد من هذه المخاطر، إلا أن ذلك يعكس هشاشة البيئة الطبية وصعوبة ضمان عمل المرافق الصحية كمساحاتٍ آمنة ومحايدة.
النزوح تحدٍ آخر
إضافةً إلى كل التحديات المرتبطة بالوضع الإنساني والصحي، يشكل النزوح الواسع تحدياً كبيراً، بحيث يعيش نحو 90% من السكان في ظروفٍ قاسية داخل خيام أو ملاجئ موقتة، ما يؤدي إلى انتشار الأمراض المرتبطة بالاكتظاظ وسوء الأوضاع الصحية، ويزيد من الضغط على نظامٍ صحي منهك أساساً. ففي غزة، نزح قرابة 90 في المئة من الناس قسراً، مرات عدة في كثير من الأحيان، ويعيشون في خيامٍ أو ملاجئ موقتة، ولم يتحسن الوضع كثيراً منذ وقف النار. في مراكز الرعاية الصحية الأولية التي تدعمها "أطباء بلا حدود"، ظهر أن الأمراض الأكثر انتشاراً ترتبط ارتباطاً مباشراً بالظروف المعيشية القاسية والاكتظاظ، بما في ذلك التهابات الجهاز التنفسي العلوي (42 في المئة)، والأمراض الجلدية مثل الجرب والقمل (16.7 في المئة) والإسهال (8.4 في المئة).
كما أن محدودية عمليات الإجلاء الطبي تبقى عائقاً خطيراً، مع وجود آلاف المرضى الذين يحتاجون إلى رعايةٍ متخصصة خارج غزة، لكنهم غير قادرين على الوصول إليها.
لذلك، تشير أبو شقرا إلى أزمةٍ متعددة الأبعاد في غزة مع استمرار العنف، وقيود الوصول، وتدهور النظام الصحي، وتحدياتٍ تشغيلية داخل المرافق الطبية نفسها، إلى جانب ظروفٍ معيشية قاسية، وهي جميعها عوامل تتضافر لتجعل الاستجابة الإنسانية أكثر صعوبةً وتزيد من معاناة السكان. منذ وقف النار، كانت فرق "أطباء بلا حدود" قد ساهمت في تقديم الرعاية الى أكثر من 40 ألف شخصٍ أصيبوا بجروحٍ ناجمة عن إصاباتٍ عنيفة، بما في ذلك الطلقات النارية أو الانفجارات أو أنواعٍ أخرى من الأسلحة. ومنذ 10 أكتوبر 2025، عالجت الفرق الطبية أكثر من 15000 حالة إصابة، فقط في المستشفيين الميدانيين التابعين للمنظمة، ويشمل ذلك إصاباتٍ جديدة أو جروح تتطلب رعايةً طويلة الأجل. وفي عيادة "أطباء بلا حدود" في مدينة غزة وحدها، تم إجراء أكثر من 18000 تضميدٍ للجروح، أكثر من 60 في المئة منها لجروحٍ ناجمة عن إصابات.
لكن منذ 1 يناير 2026، منعت السلطات الإسرائيلية "أطباء بلا حدود" من جلب أي إمداداتٍ طبية أو إنسانية إلى غزة. وفي الوقت نفسه، تمنع إسرائيل أيضاً معظم عمليات الإجلاء الطبي للمرضى الذين يحتاجون إلى رعايةٍ متخصصة خارج غزة. وفي الوقت الحالي، لا يزال أكثر من 18500 شخص في غزة مدرجين في قائمة الإجلاء الطبي، بما في ذلك 4000 طفل، وفقاً لمنظمة الصحة العالمية.
كذلك تواجه المرافق الصحية لـ"أطباء بلا حدود" نقصاً حاداً وتضرراً في الأدوية والمعدات الطبية والأدوية، بما في ذلك أدوية الأمراض غير المعدية، مثل الأنسولين. ويؤثر هذا النقص على العلاجات الحيوية للأمراض المزمنة، مما يزيد من معاناة الناس في غزة مع تجريدهم من كرامتهم. وقد توفي كثيرون من المسنين المصابين بأمراضٍ مزمنة لعدم توافر الأدوية وبسبب الظروف المعيشية وانهيار نظام الرعاية الصحية. فيصعب توفير أدوية ضغط الدم، وأدوية السكري، وأدوية القلب، وهذا ما سبب انهياراً نفسياً وجسدياً للناس ولمقدمي الرعاية.
لذلك، دعت منظمة "أطباء بلا حدود" قادة العالم والحكومات، بما في ذلك الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه، والدول العربية، إلى استخدام جميع السبل السياسية للضغط على السلطات الإسرائيلية من أجل حماية المدنيين، واستعادة ظروف الحياة الكريمة، والسماح بدخول المساعدات الإنسانية إلى غزة من دون معوقات.