"أصوات غير مسموعة"... شهادة بصرية على العنف ضدّ المرأة
يوم الثلاثاء الماضي، خرجت إحدى القاعات الدراسية في كلية الفنون الجميلة والعمارة - الفرع الثاني في الجامعة اللبنانية (فرن الشباك) عن وظيفتها الأكاديمية المعتادة، لتتحول إلى فضاء غامر يستحضر الصمت والألم والمعاناة. ففي معرض "أصوات غير مسموعة - شظايا من الضغط والذاكرة والصمود، تحلّق الزوّار لمعاينة عمل تركيبي للفنانة التشكيلية جوسلين رعيدي ولخوض تجربة حسّية تقودهم إلى العالم الداخلي للمرأة التي ترزح تحت وطأة العنف الأسري والاضطهاد الاجتماعي.
ضمن مشروع "الماستر 2" في الفن التشكيلي، حوّلت رعيدي القاعة بأكملها إلى بيئة مفاهيمية واحدة وعمل تركيبي واحد تتكامل فيه العناصر جميعها، مفضّلةً الابتعاد عن أسلوب العرض التقليدي للأعمال الفنية المنفصلة. فالسقف والجدران والأرضية ووسط الفضاء شكّلت معاً لغة بصرية موحدة، تنقل فكرة أنّ العنف يتسلل إلى الذاكرة والهوية وتفاصيل الحياة اليومية، تاركاً ندوباً لا يراها الآخرون.

في قلب هذا العالم البصري، علّقت الفنانة غشاءً شبه شفاف من النايلون اتّخذ هيئة امرأة، بدا للوهلة الأولى كأنه طيف يتأرجح بين الحضور والغياب. غير أنّ هشاشة المادة لم تكن سوى مدخل إلى معنى مغاير؛ فالهشاشة لا تناقض القوة. ومن خلال هذا الجسد الشفاف، تحوّلت المرأة إلى رمز لنساء لا يُحصين، يعشن في دوائر الخوف والأحكام المسبقة والإساءة، فيما يواصلن المقاومة والصمود.
وفوق رؤوس الزائرين، امتدّت شبكة كثيفة من الخيوط المتشابكة التي جسّدت منظومة الضغوط والتوقعات والتقاليد التي تُحاصر النساء منذ وقت طويل، حتى قبل أن تتجلّى مظاهر العنف. وبفضل تشابكها، تحوّل السقف إلى فضاء نفسي خانق، يذكّر بأنّ العنف لا يولد في عزلة، بل يجد جذوره في بنى اجتماعية وثقافية أوسع.

أما أكثر عناصر العمل تأثيراً، فكان جداراً كاملاً احتضن 296 صورة شخصية مجزأة بريشة رعيدي، استلهمتها من حالات موثقة للعنف والإساءة. صور منفردة، ناقصة ومبتورة، اجتمعت لتشكّل بياناً مؤثراً لنساء أُخفضت أصواتهن. واختارت رعيدي الابتعاد عن مشاهد العنف المباشرة أو أي معالجة استعراضية، فجعلت من التشظي نفسه لغة للتعبير عن الصدمة والغياب والصمود، ومنحت المتلقي مساحة ليُعيد تركيب الحكاية بعينه ووجدانه.
امتدّت هذه التجربة إلى الأرضية أيضاً، حيث تناثرت ملابس نسائية فوق شظايا زجاج مخفية، ما دفع الزائرين إلى السير بحذر. وأدّى صوت الزجاج المتكسّر تحت الأقدام دور التذكير الرمزي بأنّ الأحكام المسبقة وسوء الفهم والصمت قد تخلّف جراحاً لا تقلّ عمقاً عن آثار العنف الجسدي. وبالقرب منها، شوّهت مرايا محطمة التفّت حولها خيوط متدلية انعكاسات الزائرين، في إشارة إلى أنّ المجتمع ليس شاهداً محايداً على هذه الدوائر من الصمت والضغط، بل جزء منها. كما استحضرت الحزم المعلقة أسفل الهيئة المركزية الأعباء النفسية والمسؤوليات الثقيلة والرحلات القاسية التي تحملها نساء كثيرات على امتداد حياتهن.

نسجت رعيدي خلال مسيرتها تجربة فنية متعددة التخصصات تجمع بين الواقعية والتجريد والفن المفاهيمي. وتنعكس خبرتها في العلاج بالفن والتدريب على التعلّم بوضوح في أعمالها، إذ تنظر إلى الفن بوصفه مساحة للشفاء والتأمل والتحول، لا مجرد وسيلة للتعبير الجمالي. وانشغلت في مشاريعها بقضايا اجتماعية معاصرة، ساعية إلى ترجمة التجارب النفسية والإنسانية إلى سرديات بصرية مؤثرة.
وتجلّت هذه الرؤية بأوضح صورها في "أصوات غير مسموعة". فقوة العمل تكمن في خلق تجربة تجعل الزائر يعيش، ولو للحظات، ثقل الضغوط غير المرئية التي ترسم حياة عدد لا يُحصى من النساء، بعيداً عن استعراض الأرقام أو الشعارات حول العنف الأسري. وهكذا، يتحول الفن في تجربة رعيدي إلى فعل تعاطف ومسؤولية، لا يكتفي بطرح سؤال: إلى متى ستستمر النساء في المعاناة بصمت؟ ولكنه يدعو أيضاً إلى مساءلة المجتمع عن دوره في الإصغاء إليهن، ومنح أصواتهن ما تستحقه من حضور.