أسعار الإسمنت ارتفعت 300%... كيف شلّ تنظيم المقالع ورش البناء؟

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

ثلاثة مصانع فقط تتحكم عمليا في سوق الإسمنت المحلية. وفي سوق بهذه المحدودية، يكفي أن يتوقف أحدها عن الإنتاج حتى تبدأ مؤشرات الأزمة بالظهور، فكيف إذا خرج مصنعان من ثلاثة عن الخدمة دفعة واحدة؟ 

 

هذا تماما ما شهدته السوق خلال الأشهر الأخيرة، حين تحولت معركة تنظيم مقالع الإسمنت والانتقال من نظام الاستثناءات إلى نظام التراخيص، فأزمة غير مسبوقة شلّت ورش البناء ودفعت أسعار الإسمنت إلى الارتفاع نحو 300%.

ففي حين رفعت الحكومة شعار تنظيم قطاع المقالع وإنهاء العمل بسياسة "المهل" التي رافقت شركات الإسمنت لعشرات السنوات، اصطدمت بواقع سوق يعتمد على 3 مصانع فقط. ومع توقف مصنعين، انخفض المعروض إلى أقل من نصف حاجة السوق، فقفز سعر طن الإسمنت في السوق السوداء إلى نحو 400 دولار، بعدما كان السعر الرسمي لا يتجاوز 91 دولارا عند باب المصنع، فيما توقفت مئات الورش السكنية والإنشائية في مختلف المناطق. 

 


من نظام الاستثناءات إلى التراخيص

أما وقد سمح مجلس الوزراء أخيرا للشركات باستثمار مقالعها، فمن المهم الإشارة إلى أن شركات الإسمنت عملت سنوات طويلة بموجب مهل إدارية متكررة سمحت لها بتشغيل المقالع من دون استكمال مسار التراخيص المنصوص عليه في المرسوم الرقم 8803، ما أدى إلى تراكم المخالفات البيئية واتساع أعمال الحفر، وسط انتقادات مزمنة لضعف الرقابة.

وعام 2024، أعطى مجلس الوزراء الشركات مهلة إضافية سنتين، إلا أن الحكومة الجديدة قررت الإقلاع عن هذا النهج. فرفضت وزارة البيئة الاستمرار بسياسة المهل، وألزمت الشركات استكمال مسار الترخيص القانوني، فيما تولى المجلس الوطني للمقالع والكسارات درس الطلبات بالتنسيق مع البلديات والجهات المعنية.

ولم يقتصر الأمر على تطبيق المرسوم، بل أضيفت شروط بيئية أكثر تشددا، شملت إنشاء أحزمة خضر وكواسر للرياح، وإعادة تأهيل الأراضي، والتعويض البيئي، ومنع التوسع خارج حدود المقالع الحالية، وإشراك البلديات في الرقابة، مع وقف العمل فور  المخالفة.

وخلال فترة درس الملفات، طالبت الشركات بمهلة تشغيلية موقتة تتيح لها مواصلة العمل إلى حين صدور التراخيص النهائية، إلا أن وزارة البيئة رفضت ذلك، معتبرة أن العودة إلى سياسة الاستثناءات تعني عمليا نسف المسار الإصلاحي.

كيف بدأت الأزمة؟

يشير رئيس نقابة مقاولي الأشغال العامة والبناء مارون الحلو إلى أن جذور الأزمة تعود إلى أكثر من 30 عاما، حين تحولت المهل الموقتة إلى قاعدة لإدارة القطاع في غياب الرقابة البيئية وانتشار الزبائنية والفساد. ويؤكد أن قرار تنظيم القطاع وفرض شروط بيئية صارمة كان صحيحا، لكن المشكلة كانت في آلية تطبيقه.

فبعد صدور قرار مجلس الوزراء إعادة إعطاء التراخيص وفق الشروط الجديدة، استغرق التنفيذ نحو 60 يوما، بقيت خلالها مقالع الشركة اللبنانية للترابة (المعروفة سابقاً بهولسيم - لبنان)، وشركة الترابة الوطنية (إسمنت السبع) متوقفة، ما أدى إلى فقدان نحو 4 آلاف طن يوميا من الإنتاج، فيما كانت حاجة السوق تراوح بين 6 و7 آلاف طن.

ويرى الحلو أن الأزمة كان يمكن تفاديها إما بإعطاء الشركات مهلة تشغيلية قصيرة ريثما تستكمل ملفاتها، وإما بالسماح باستيراد الإسمنت لتغطية النقص بدلا من إبقاء السوق محصورة بالإنتاج المحلي.

احتكار السوق...

يشرح المدير العام لشركة سبلين أديب الهاشم أن الأزمة تعكس أيضا طبيعة سوق الإسمنت في لبنان، حيث ليس هناك سوى 3 مصانع تبلغ طاقتها الإنتاجية الإجمالية نحو 6 ملايين طن سنويا. ويشير إلى أن "السوق اللبنانية استهلكت نحو 3 ملايين طن عام 2025، فيما يتوقع أن تبلغ نحو 2.5 مليوني طن عام 2026 نتيجة تداعيات الحرب".

 

 

ويضيف أن "توقف مصنعين من ثلاثة أبقى مصنع سبلين وحده في السوق بطاقة إنتاجية تبلغ نحو 1.2 مليون طن سنويا، وهي كمية لا تكفي لتلبية حاجة السوق. لذلك بدأت الأزمة تتفاقم تدريجا منذ توقف المصانع مطلع نيسان، بما أدى إلى الارتفاع الحاد في الأسعار".

 

 

ويتوقع الهاشم أن تستأنف مصانع الشمال إنتاجها خلال الأسبوع الجاري، بما يؤدي إلى استعادة التوازن في السوق تدريجا اعتبارا من الأيام العشرة الأولى من شهر تموز، وأن ينخفض سعر الطن إلى ما بين 100 و115 دولارا، بعدما وصل إلى نحو 400 دولار في ذروة الأزمة.

 

 

لماذا لم يفتح باب الاستيراد؟

كان عدم السماح باستيراد الإسمنت أحد أبرز الانتقادات التي رافقت الأزمة. فبحسب الحلو، يحتاج الاستيراد إلى موافقة وزارة الصناعة التي لم تعطِ أيّ تراخيص خلال مدة النقص، ما أبقى السوق محصورة بالإنتاج المحلي.

 

 

في المقابل، ترى وزارة البيئة أن معالجة الأزمة لا تكون بالعودة إلى سياسة المهل، بل بإصلاح بنية السوق وتعزيز المنافسة ومنع الاحتكار، من دون التراجع عن متطلبات الترخيص والالتزام البيئي.

 

 

ركام الحرب فرصة مهدورة؟

توازيا، يبرز ملف إعادة استخدام ركام الأبنية المدمرة في الضاحية الجنوبية والجنوب. ويؤكد الهاشم أن المشروع لم يدخل بعد مرحلة التنفيذ، رغم اهتمام وزارة البيئة ومجلس الإنماء والإعمار وشركة سبلين به، لأن الحرب لم تنتهِ بالكامل بعد، كما أن عمليات جمع الردميات لم تستكمل.

 

ويشير إلى أن المؤسسة اللبنانية للمواصفات والمقاييس "ليبنور" وضعت، بالتعاون مع وزارة الصناعة، مواصفة قياسية تسمح بإعادة تدوير هذه المواد، فيما يجري العمل مع وزارة البيئة ونقابة المهندسين لوضع آلية تتيح استخدامها مستقبلا في صناعة "البيتون" أو الإسمنت.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية