أسرار حوار اليتيمة الملعونة

في مثل هذه الأيام من شهر مارس 1999، أحدثت أسبوعية لوجورنال شرخاً مدوّياً في المشهد الصحفي المغربي بحوار أجرته مع مليكة أوفقير، ابنة وزير الداخلية والدفاع الأسبق محمد أوفقير الذي حاول إسقاط طائرة الملك الحسن الثاني في 16 غشت 1972.

لم يكن الجنرال أوفقير وحده من تورّط في التخطيط لهذه العملية، كما سيتضح لاحقاً في ملف استثنائي نشرته لوجورنال سنة 2000، كشفت فيه عن ضلوع أقطاب من الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، إلى جانب محمد أوفقير ومحمد أمقران، في مخططهم الرامي للتخلص من الحسن الثاني. هذا تفصيل تاريخي.. ما يهمنا الآن هو هذا الحوار الذي سيكون له ما بعده.

بعد صدور كتاب “السجينة” في المكتبات الفرنسية، مطلع 1999، وتهافُت الأضواء على مليكة أوفقير التي تحولت فجأة إلى نجمة في سماء باريس؛ اقترح علي المرابط، رئيس تحرير لوجورنال، على مدير الجريدة بوبكر الجامعي إجراء حوار خاص معها. ​كانت الخطوة مغامرة حقيقية تُلامس سقف المستحيل؛ فالموضوع بالغ الحساسية، لأن اسم أوفقير ظلّ، منذ اليوم الذي أُعلِنَ فيه عن انتحاره، حبيس سجل الطابوهات المحظورة التي لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها في مغرب ما زال يحكمه الحسن الثاني الذي كان يعيش آنذاك أسابيعه الأخيرة.

حكى الراحل فاضل العراقي، المساهم الرئيسي في رأسمال لوجورنال، كواليس صدور هذا العدد الذي سيكون له تاريخ : “في مارس 1999، تلقّيتُ اتصالاً من بوبكر الجامعي، يخبرني فيه بأنهم يفكرون في إعداد غلاف عن مليكة أوفقير.. كانت تلك المرة الوحيدة التي اتّصل بي، أؤكد لكم ذلك.. قال لي بوبكر أنهم يفكرون في تخصيص غلاف عن ابنة أوفقير، إلاّ أن ذلك قد يؤدي إلى إغلاق الجريدة.. سألني عن رأيي، فكان جوابي هو :

si tu penses qu’il faut le faire il faut le faire.”

بعد ذلك، سيكتب بوبكر الجامعي افتتاحية اتّسمت بجرأة غير مسبوقة، قال فيها : ​”أرجوكم، لا تطالبونا كمغاربة بألاّ نتعاطف مع هذه العائلة، أو ألاّ تهتزّ مشاعرنا لطفل لم يتجاوز الثالثة من عمره (يقصد عبد اللطيف ابن الجنرال)، زُجّ به في غياهب المعتقلات لسنوات طويلة.. ما ذنب هذا الطفل، حتى لو كان أبوه هو الشيطان نفسه وليس محمد أوفقير !”

صدر عدد لوجورنال بصورة مليكة أوفقير واسمها على الصفحة الأولى تحت عنوان “اليتيمة الملعونة”، ووُزّعَ بشكل طبيعي في الأكشاك دون أن يصدر قرار بمنعه؛ أو بالأحرى، دون أن يأمر الحسن الثاني وزير داخليته إدريس البصري بمصادرة العدد أو إغلاق مقر لوجورنال.. غير أن ذلك لم يمنع البصري من اللجوء إلى تصرفات بهلوانية للالتفاف على الواقع، حيث أوعزَ إلى عدد من الولاة والعمال في المدن البعيدة بشراء كافة النسخ المتوفرة من العدد الذي يتضمن حوار ابنة أوفقير، في محاولة يائسة لتغييبه عن أعين القراء.

ولكن السؤال الذي يتبادر إلى ذهنكم الآن هو : هل قرأ الحسن الثاني الحوار ؟

​لم يسبق لبوبكر الجامعي أن قدّم إجابة قاطعة عن هذا السؤال.. لكن المؤكد هو أن الملك الراحل قرأ بالفعل حوار لوجورنال مع ابنة أوفقير، لأنه ظل يتابع، حتى عشية وفاته، كل ما كان يُنشر على صفحات هذه الأسبوعية المتمردة التي أصبحت العنوان الأبرز للربيع المغربي، كما وصفتها آنذاك جريدة L’humanité الفرنسية وهي تتحدث عن الانفتاح الذي كان يشهده مغرب الحسن الثاني في الفصول الأخيرة من حكمه.

لو قُدِّرَ لمليكة أوفقير أن تخرج لأول مرة عن صمتها وتتحدث للصحافة المغربية في 2026، هل كانت ستجرؤ جريدة من الجرائد المتبقية على محاورتها وهي تدرك تماماً أن مجرد ذِكر اسمها يثير حساسية مفرطة لدى المخزن ؟

أكاد أجزم أن الإجابة هي لا.

فيما يلي مقتطفات من حوار مليكة أوفقير مع لوجورنال الذي أجراه معها علي المرابط بباريس. حاولتُ نقلها إلى العربية مع الحرص على الحفاظ على نبرتها :

-مليكة أوفقير، لماذا إصدار هذا الكتاب اليوم ؟

-هذا هو السؤال الأبدي. انتظرتُ حتى أنضج، وأردتُ أخذ مسافة.. كنتُ في حاجة إلى الحديث.

-أليس الغرض من هذا الكتاب هو الإنتقام من بلدك ؟

-الإنتقام ليس له معنى. الإنتقام من ماذا ؟ قُل لي كيف يمكنني أن أستعيد 25 سنة من حياتي ؟ من باستطاعته أن يعيد لي شبابي وصحتي ؟ الشيء الوحيد الذي يمكنني أن أقوله هو أنني من خلال هذا الكتاب، أنتقم من الحياة. أردتُ أن أقول للحياة أنني مازلت هنا.

-ماذا تنتظرين من الشكاية التي وضعتِها ضد الدولة المغربية ؟

-تعويض.

-مليكة أوفقير، إذا كنتِ هنا، في هذا الوضع، فإن ذلك بسبب والدكِ أليس كذلك ؟

-كل ما أعرفه عن والدي موجود في الكتاب. لم تُتح لي الفرصة للتعرف عليه. عرفته لمدة سنتين فقط.. لم أعرف الرجل السياسي الذي كانه.

-ولكنكِ عرفتِ الرجل في حد ذاته ؟

-عرفته لما كان عمري 17 سنة. كان أباً رائعاً.. لم يكن أبداً ذلك الرجل الدموي والشيطاني الذي تتحدث عنه الصحافة.. لا أدري إن كان هذا الرجل الذي كان في منتهى الحب والعاطفة مع عائلته هو نفسه الذي يتحدث عنه المعارضون.

-ولكن والدكِ ليس ملاكاً ؟

-لا، لم يكن والدي ملاكاً. جميع السياسيين ليسوا كذاك.

-يصعب تصديقكِ عندما تقولين أن والدكِ لم يكن دموياً..

-لم يكن والدي دموياً، والتاريخ وحده سيحكم.

-قلتِ في كتابكِ بأن والدكِ كان يريد التغيير.. يعني، لو تسلّم السلطة، هل كُنا سنسبح اليوم في الديمقراطية ؟

-لا أعرف. هذه مجرد تخمينات.. لا أحد يعرف الحقيقة.. لا أحد، فما بالك نحن.

-والدتكِ كانت على علم بانقلاب 1972 ؟

-مجرد التفكير في ذلك يعني أنك لا تعرف من هي أمي.

-أين كنا سنكون اليوم يا ملكية لو نجح انقلاب والدكِ ؟

-هل كنا سنكون في نظام عسكري.. لا أعرف. قررتُ ألاّ أفكر في الأمر. لا أريد أن أطرح كل هذه الأسئلة.

-والدكِ كانت تربطه علاقات خاصة مع الموساد أليس كذلك ؟

-أنا كنت أعيش في عالم آخر.. كان يلزمني الكثير من الوقت لكي أعرف ما هو الموساد وما هي قضية بن بركة..

-ماذا يمثل المهدي بن بركة بالنسبة لكِ ؟

-زعيم سياسي مهم.

-ولو أن والدكِ كان مساهماً أساسياً في اغتياله ؟

-والدي هو والدي، وبن بركة هو بن بركة. ليس لأن والدي ساهم أو شارك في تصفية بن بركة يجب ألاّ أقدّر الرجل السياسي الذي كانه. أعتقد أن بن بركة دفع ثمن ذلك من حياته لأنه كان متقدّماً على الآخرين في التفكير.

-ماذا يعني ذلك ؟

-يعني ما يعنيه.. بن بركة كان سابقاً لعصره وأوانه..

-هذا يعني أنكِ معجبة به ؟

-في جميع الأحوال أنا دائماً معجبة بالشخصيات الكبرى.. سواء أخطأ أو أصاب، فإن بن بركة قدم مساهمته وهو مقتنع بمساعدة بلده.. وسواء جانبه الصواب أم لا، فإن ذلك ليس هو جوهر الموضوع.

-لم تُقدمي في كتابكِ أي اعتذار للضحايا الكثر لوالدك..

-كتابي يقدم شهادة وليس مرافعة، أنا لا أستخدم اللغة السياسية في الكتاب. الحديث عن ضحايا والدي يقتضي أن أكون مؤهلة لذلك، وأنا أكررها مرة أخرى : ليس لدي ثقافة سياسية، لكنني سأقول شيئاً واحداً : لقد كان هناك ضحايا في المغرب.

-بسبب والدكِ ؟

-كان هناك ضحايا في المغرب وانتهى الأمر.

-هل كتابكِ مجرد تفريغ لشحنة غضب أم هو صرخة انعتاق ؟

-تفريغ لشحنة غضب، لا. انعتاق، أتمنى ذلك.. لقد سامحنا، ونوافق على طي هذه الصفحة.. ساعدونا إذن.

اقرأ المقال كاملاً على لكم