أزمة هرمز وطفرة اليوريا.. هل تحصد مصر مكاسب عابرة أم تدفقات دولارية مستدامة؟
تحولت اضطرابات الطاقة والملاحة في مضيق هرمز إلى أحد أبرز المحركات التي أعادت رسم خريطة سوق الأسمدة العالمية خلال الأشهر الأخيرة، ما أدى إلى طفرة عالمية في أسعار اليوريا نتيجة تراجع الإمدادات وارتفاع المخاوف بشأن حركة التجارة عبر أحد أهم الممرات الحيوية للطاقة والمواد الخام.
وفي خضم هذه التحولات، برزت مصر كأحد أبرز المستفيدين المحتملين من هذه الطفرة، في ظل التوقعات باستمرار قوة الأسعار واتساع الفجوة بين العرض والطلب، ما يثير تساؤلات حول قدرة قطاع الأسمدة على تحويل المكاسب الراهنة إلى مصدر مستدام للعملة الصعبة وتعزيز حصيلة النقد الأجنبي.
وتستند هذه الفرصة في سوق اليوريا إلى اضطرابات الإمدادات الناتجة عن تعطل مراكز إنتاج رئيسية في الخليج وإيران، وارتفاع مخاوف الملاحة عبر الخليج العربي الذي يمر عبره نحو 45% من تجارة اليوريا العالمية، بحسب "بلومبرغ إنتليجنس"، ما دفع الأسعار إلى مستويات قياسية، في ظل أهمية اليوريا كأحد أبرز الأسمدة النيتروجينية المستخدمة في رفع إنتاجية المحاصيل، وبالتالي تأثر تكاليف الزراعة والأمن الغذائي العالمي بأي خلل في إمداداتها أو أسعارها.
قفزة في الأسعار
وعلى وقع هذه التطورات، قفزت أسعار اليوريا بنحو 110% منذ نهاية آذار (مارس)، وفق بيانات "غرين ماركتس"، وسط مخاوف من نقص المعروض العالمي، فيما ساهم طرح الهند مناقصات لاستيراد نحو 2.5 مليون طن دفعة واحدة في دفع الأسعار إلى نحو 950 دولاراً للطن.
.jpg)
تقديرات دولية
ولا تبدو هذه الارتفاعات مؤقتة وفق تقديرات المؤسسات الدولية، إذ تؤكد منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة "الفاو" أن اضطرابات سلاسل الإمداد، خاصة في مضيق هرمز، أصبحت من أبرز الضغوط على أسعار الأسمدة.
فيما يتوقع البنك الدولي ارتفاعها بنسبة 31% خلال 2026، وهو ما يتوافق مع تقديرات "أوكسفورد إيكونوميكس" التي رجحت صعوداً يتجاوز 30% خلال العام ذاته، مع تسجيل اليوريا زيادات أكبر نتيجة استمرار اضطرابات الشحن والقيود على الملاحة عبر مضيق هرمز.
مصر على خريطة المستفيدين
ومع هذا المسار التصاعدي، تتجه الأنظار إلى الدول المصدرة القادرة على الاستفادة من اتساع الفجوة بين العرض والطلب، وفي مقدمتها مصر والتي تُعد من أبرز منتجي اليوريا في الشرق الأوسط وأفريقيا، بإنتاج سنوي يبلغ نحو 17.9 مليون طن من الأسمدة، منها ما بين 6.7 : 7.6 مليون طن يوريا وأسمدة نيتروجينية، وفق بيانات وزارة الزراعة، كما تصدر أكثر من 3 ملايين طن من اليوريا سنوياً عبر قاعدة إنتاجية تضم نحو 18 مجمعاً ومصنعاً، ما عزز دور القطاع كمصدر مهم للنقد الأجنبي.
وقد انعكس ذلك على الأداء التصديري، إذ ارتفعت صادرات الأسمدة المصرية بنحو 20% خلال العام الماضي لتصل إلى 2.04 مليار دولار، ثم واصلت نموها بنسبة 3% خلال الربع الأول من العام الحالي مسجلة 838 مليون دولار، بحسب الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات، كما قفزت الصادرات إلى الهند، أكبر مستوردي اليوريا عالمياً، بنسبة 140% خلال الفترة نفسها لتسجل 77 مليون دولار، مدعومة بقرار الحكومة برفع نسبة التصدير المسموح بها للشركات إلى 53% من الإنتاج منذ أيلول (سبتمبر) 2025 مقابل 45% سابقاً.
فرصة تصديرية استثنائية
وتعكس هذه المؤشرات، وفق خبراء لـ"النهار"، فرصة تصديرية متنامية أمام مصر للاستفادة من طفرة سوق اليوريا العالمية.
وفي هذا السياق، تؤكد الخبيرة الاقتصادية حنان رمسيس لـ"النهار"، أن مصر تُعد من أبرز منتجي اليوريا عربياً والخامس عالمياً، ما يعزز مكانة قطاع الأسمدة كمصدر مهم للعملة الأجنبية، متوقعة أن تسهم الطفرة الحالية في تعزيز الصادرات وتدفقات النقد الأجنبي ودعم أرباح الشركات والميزان التجاري وتعزيز مكانة مصر في سوق الأسمدة العالمية.
مكاسب مؤقتة أم مستدامة؟
ورغم المكاسب الحالية، تواجه الصناعة في مصر تحديات تتعلق بارتفاع أسعار الغاز الطبيعي إلى جانب رسوم التصدير المفروضة على الأسمدة الأزوتية بقيمة 90 دولاراً للطن، ومخاطر تراجع الأسعار العالمية مع عودة الإمدادات للأسواق.
وترى حنان رمسيس أن المكاسب الراهنة قد تبقى مؤقتة ما لم يتم اتخاذ إجراءات تدعم استدامتها، تشمل رفع كفاءة المصانع وزيادة الطاقات الإنتاجية وتأمين الغاز الطبيعي بأسعار مناسبة والتوسع في أسواق جديدة.
ختاماً، تفتح أزمة هرمز نافذة فرص مهمة أمام صناعة الأسمدة المصرية، إلا أن تحويل هذه المكاسب إلى عوائد مستدامة سيظل مرهوناً بقدرة القطاع على التوسع الإنتاجي وتعزيز تنافسيته في الأسواق العالمية حتى بعد انحسار الأزمة الحالية.