"أزمة السردية الانفصالية" تعود إلى الواجهة داخل مخيمات البوليساريو

في مشهد يعكس، وفق مهتمين، الأزمة الوجودية التي تعصف بجبهة البوليساريو وصراع الأجنحة بين قادتها الذين يعيشون على ذكريات الماضي، دعا القيادي في الجبهة المدعو البشير مصطفى السيد، الذي يشغل منصب “رئيس المجلس الوطني” في الجمهورية الوهمية بتندوف، إلى تطوير الخطاب السياسي للجبهة، معتبرا أن “الخطاب السياسي الناجح يقتضي مراعاة طبيعة المخاطبين وظروفهم وواقعهم”، وفق تعبيره.

وأشار القيادي الانفصالي ذاته إلى التحديات التي تواجه الخطاب السياسي للبوليساريو في المرحلة الراهنة، ومن ضمنها “تأثير التحولات الاجتماعية والاقتصادية وما أفرزته من اهتمامات جديدة مرتبطة بالحياة اليومية ومتطلبات العيش وتجاذب الواقع بين قطبي الحرب والسوق، وهو ما يتطلب جهدا أكبر لضمان استمرار الخطاب الوطني في أداء رسالته التنويرية الثورية التأطيرية والتوجيهية والتعبوية”، على حد تعبيره دائما، داعيا إلى “البحث عن آليات جديدة لتوسيع دائرة تأثير ووصول الخطاب السياسي للبوليساريو، مبرزا أن “الخطاب المجدي هو الخطاب القادر على تغيير الواقع غير المرغوب فيه”.

صراع ورغبة

قال مصطفى سلمى ولد سيدي مولود، القيادي العسكري السابق في البوليساريو، إن “البشير مصطفى السيد أدار الجبهة الداخلية للبوليساريو لمدة 15 سنة الأولى؛ فبعد وفاة أخيه، عُين أمينا عاما مساعدا للحركة ونائبا للأمين العام السابق محمد عبد العزيز، الذي تفرغ للجانب العسكري، بينما تفرغ البشير لإدارة المخيمات والجبهة الداخلية، وكان بذلك هو المسؤول عن رسم السياسات العامة والمتحكم في كل شاردة وواردة في الجبهة حتى وقف إطلاق النار عام 1991”.

وأضاف مصطفى سلمى، في تصريح لهسبريس، أن “المعني بالأمر لم يتخلَّ طواعية عن تحكمه في الحركة، بل كان ذلك بسبب ثورة داخلية قادها رفاقه المتذمرون من تسلطه. ومنذ تنحيته، لم يتقلد في الغالب أي وظيفة مهمة في الحركة، وكان دائما يعيش على الهامش ويحن إلى ماضيه السلطوي دون أن يجد الفرصة للعودة إليه. وبالتالي، فتصريحه هذا يدخل في إطار الحنين إلى ماضيه وأماني العودة إليه”.

وتفاعلا مع تصريح القيادي في الجبهة الانفصالية بكون “الخطاب المجدي هو الخطاب القادر على تغيير الواقع غير المرغوب فيه”، أوضح المتحدث ذاته أن “هذه صورة من صور الأزمة التي تعيشها البوليساريو؛ فهي انطلقت كحركة شمولية استبدادية تسلطت على إدارة الحياة العامة لمن نزح من الصحراويين إلى المخيمات، وبداية انسجم السكان مع خطابها وتوجيهاتها، ولكن تغير ذلك مع مرور الزمن، وعدم بروز أي رؤية توحي بقرب الحل الذي تنادي به القيادة، وانتهاء الجيل الأول والثاني، والدخول في زمن الجيل الثالث، أي جيل العقد السادس من عمر الحركة الذي وجد نفسه يعيش في دولة وهمية في مخيمات تفتقر لأبسط مقومات الحياة الكريمة ولا يربطه أي رابط وجداني بالوطن الأم الذي يراد منه أن يموت من أجل تحريره، وهو يرى القادة لا يذهبون إلى الموت من أجل تحريره ولا يدفعون أبناءهم لذلك”.

وشدّد على أن “هذا الواقع هو ما يؤرق قيادة الجبهة، وإن كانت خطابات البشير لا تخرج في الغالب عن المزايدة، باعتبار أن هناك هيئات في الجبهة مختصة بالتأطير والتعبئة والتحريض”، مسجّلا أن “هناك انفصاما تاما بين قيادة الجبهة وقواعدها؛ فمجتمع المخيمات مجتمع شاب، والقيادة هرمة، أعمارها بين السبعين والثمانين، وفوق ذلك عاشوا لمدة ثلاثة عقود من الراحة، نسوا الحرب ومآسيها، ولما أعلنوا العودة للحرب مؤخرا وجدوا كل شيء مختلفا (الميدان والجندي والسلاح والتكتيكات)، ولم تعرف قيادة الجبهة كيف تتكيف مع واقع الحرب التي اختارتها”.

أزمة عميقة

أوضح جواد القسمي، باحث في العلاقات الدولية والقانون الدولي، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن “خطاب ما يسمى رئيس المجلس الوطني للبوليساريو هو وثيقة اعتراف بالهزيمة الخطابية والأيديولوجية لجبهة البوليساريو، وتشخيص دقيق لأزمة عميقة تعيشها الجبهة في علاقتها مع حاضنتها في المخيمات؛ فالدعوة التي جاء بها تأتي في سياق يشهد إفلاسا مزدوجا للجبهة، عسكريا ودبلوماسيا”.

وزاد شارحا: “عسكريا، رغم إعلان الجبهة التنصّل من اتفاق وقف إطلاق النار عام 2020، لم ينتج عن الأمر أي تغيير على أرض الواقع، بل شهد الجميع تفوقا عسكريا واضحا (للمغرب). أما دبلوماسيا، فالجبهة تعيش عزلة لم تشهدها من قبل، خصوصا مع الاعترافات الدولية الوازنة كالاعتراف الأمريكي والفرنسي والإسباني بمغربية الصحراء. فمصطفى البشير وقادة البوليساريو أدركوا أن سردية البقاء في تآكل مستمر، ودعوة تطوير الخطاب هي محاولة لبيع الوهم لساكنة تندوف، حيث الخطاب الراديكالي لم يعد يقتنع به أحد في غياب أي أفق سياسي أو عسكري حقيقي”.

وسجّل الباحث ذاته أن “الجملة التي استعملها مصطفى البشير: ‘قطبي الحرب والسوق’ خير دليل على أن سكان المخيمات قد سئموا من شعارات ‘الكفاح المسلح’، وأن الساكنة باتت تبحث عن حياة طبيعية وكرامة اقتصادية، ما يعني سقوط شرعية الثورة لدى الجيل الجديد في المخيمات، الذي سئم حياة الذل والعوز في انتظار حرب لن تأتي وهو يرى أقرانه في العيون والداخلة في مدن متطورة وحياة كريمة”، مبرزا أن “خطاب القيادي في الجبهة يقرّ بهزيمة السردية التقليدية للبوليساريو أمام ثورة الاتصالات والهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، ما جعل سكان المخيمات يدركون أولا أن العالم تجاوز أطروحة الانفصال، وأن التنمية والحقوق لن تتجسّد واقعا إلا على أرض وتحت السيادة المغربية، بالإضافة إلى أن سكان المخيمات أدركوا أيضا فساد قيادة البوليساريو التي تعيش في بحبوحة هي وعائلاتها بينما تفرض حياة البؤس على ساكنة المخيمات”.

وخلُص القسمي إلى أن “بحث حركة البوليساريو الانفصالية عن آليات لإيصال صوتها إلى قواعدها هو اعتراف بتلك الهوة بين القيادة والقاعدة؛ فبينما القيادة تتحدث بلغة الحرب الباردة، يعيش الشباب في القرن 21 ويبحثون عن الأمل وجواز السفر وحرية التنقل”.

The post "أزمة السردية الانفصالية" تعود إلى الواجهة داخل مخيمات البوليساريو appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress