"أزمة الائتمان الخاص" تضع الأسواق العالمية أمام قنبلة مالية موقوتة
تتزايد المخاوف في الأوساط الاقتصادية الدولية من احتمال دخول الأسواق العالمية مرحلة اضطراب مالي جديدة مرتبطة بقطاع “الائتمان الخاص”، وهو القطاع الذي نما خلال السنوات الأخيرة بوتيرة سريعة خارج النظام المصرفي التقليدي، مستفيداً من ضعف القيود التنظيمية ومن تدفق استثمارات ضخمة بحثاً عن عوائد مرتفعة، غير أنّ مؤشرات التعثر بدأت تظهر تدريجياً مع ارتفاع أسعار الفائدة وتباطؤ الاقتصاد العالمي، ما دفع خبراء ومؤسسات مالية إلى التحذير من انتقال الأزمة إلى قطاعات أوسع في الاقتصاد الدولي.
ويشير تقرير تحليلي للاقتصادي الفرنسي فريديريك لوردون في عدد ماي 2026 من مجلة “لوموند ديبلوماتيك” إلى أنّ الوضع الحالي يختلف عن الأزمات المالية السابقة، لأنّ مصادر الخطر لم تعد محصورة داخل قطاع واحد، كما حدث خلال أزمة الرهون العقارية الأميركية سنة 2008 أو فقاعة شركات التكنولوجيا مطلع الألفية، وإنما أصبحت موزعة بين أسواق الدين الخاص وشركات التكنولوجيا والطاقة، في ظل بيئة اقتصادية تتسم بارتفاع التضخم وضعف النمو وازدياد تكاليف الاقتراض.
ويقوم نظام “الائتمان الخاص” على منح قروض مباشرة للشركات عبر صناديق استثمار خاصة، بعيداً عن البنوك وأسواق السندات التقليدية، وقد تحول هذا النموذج خلال العقد الأخير إلى أحد أسرع أدوات التمويل نمواً في الولايات المتحدة وأوروبا، بعدما شددت الحكومات الرقابة على البنوك عقب الأزمة المالية العالمية، الأمر الذي دفع المستثمرين إلى التوجه نحو ما يعرف بـ”القطاع المالي الموازي”، حيث القيود أقل والعوائد أعلى.
وجذب القطاع خصوصاً الشركات المتوسطة أو المؤسسات التي تعاني صعوبة في الحصول على تمويل مصرفي تقليدي، مقابل قبولها بدفع فوائد مرتفعة، وهو ما وفر للصناديق الاستثمارية أرباحاً كبيرة خلال سنوات الفائدة المنخفضة، غير أنّ ارتفاع تكاليف الاقتراض خلال الفترة الأخيرة بدأ يضع عدداً متزايداً من هذه الشركات تحت ضغط مالي متصاعد، خصوصاً في قطاعات التكنولوجيا والصناعة والخدمات الرقمية.
ويؤكد التقرير أنّ جزءاً مهماً من المخاطر يرتبط بطبيعة هذا السوق نفسه، فالقروض التي تمنح عبر صناديق الائتمان الخاص لا يمكن بيعها بسهولة في الأسواق المالية، على خلاف السندات أو الأسهم، ما يجعل المستثمرين عاجزين عن استعادة أموالهم بسرعة عند وقوع اضطرابات، ولهذا تفرض أغلب الصناديق قيوداً صارمة على عمليات السحب، إذ لا تسمح غالباً باسترجاع أكثر من 5 في المئة من الأموال كل ثلاثة أشهر.
غير أنّ حالة القلق التي بدأت تنتشر داخل الأسواق دفعت المستثمرين إلى طلب سحب أموالهم بوتيرة متزايدة، بعدما ظهرت أولى مؤشرات التعثر لدى عدد من الشركات المقترضة، ووفق التقرير فقد واجهت صناديق استثمارية كبرى مثل “بلاك روك” و”كليف ووتر” طلبات استرداد تراوحت بين 9 و14 في المئة، بينما تعرض صندوق تابع لشركة “بلو أوول” لطلبات سحب بلغت 22 في المئة، في حين وصل الضغط على صندوق آخر إلى نحو 40 في المئة من أصوله.
هذه التطورات دفعت مراقبين إلى التحذير من احتمال توسع أزمة السيولة داخل الأسواق المالية، لأنّ المستثمر الذي يعجز عن استرجاع أمواله من صندوق معين قد يضطر إلى بيع أصول أخرى لتأمين السيولة، وهو ما قد يخلق موجة ضغوط متتالية تمتد من قطاع إلى آخر، كما حدث خلال أزمات مالية سابقة.
ويبدو قطاع التكنولوجيا في قلب هذه المخاوف، إذ يشير التقرير إلى أنّ نحو 30 في المئة من استثمارات الائتمان الخاص موجهة إلى شركات البرمجيات، في وقت يشهد فيه هذا القطاع تحولات عميقة بفعل التطورات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي، وهي تحولات تهدد نماذج أعمال تقليدية وتفرض على شركات كثيرة إعادة هيكلة أنشطتها وتقليص نفقاتها.
كما أنّ عدداً من الشركات التكنولوجية التي حصلت على تمويلات ضخمة خلال سنوات الفائدة المنخفضة بات يواجه اليوم صعوبة متزايدة في تحقيق الأرباح أو تأمين تمويلات جديدة، خصوصاً مع تشدد السياسات النقدية في الولايات المتحدة وأوروبا، الأمر الذي رفع كلفة الديون وخفّض شهية المستثمرين تجاه الأصول عالية المخاطر.
وفي هذا السياق، بدأت مؤسسات مالية دولية مراجعة توقعاتها بشأن نسب التعثر المحتملة داخل سوق الائتمان الخاص، إذ رفعت وكالة “فيتش” تقديراتها من مستويات تراوح بين 3 و4 في المئة إلى نحو 6 في المئة، بينما تحدث مصرف “يو بي إس” عن سيناريو قد تصل فيه النسبة إلى 15 في المئة في حال استمرار التباطؤ الاقتصادي وارتفاع تكاليف الاقتراض.
ويقول خبراء إنّ الخطر الأكبر لا يرتبط فقط بحجم الخسائر المحتملة، وإنما بحالة فقدان الثقة التي قد تصيب الأسواق المالية، لأنّ النظام المالي الحديث يعتمد بشكل أساسي على توفر السيولة وقدرة المستثمرين على تحويل أصولهم إلى أموال نقدية بسرعة، وعندما تتراجع هذه القدرة تبدأ موجات البيع الجماعي والذعر المالي.
وتزامنت هذه التحذيرات مع تحركات لافتة لبعض كبار المستثمرين العالميين، من بينهم رجل الأعمال الأميركي وارن بافيت الذي رفعت شركته حجم السيولة النقدية لديها إلى نحو 385 مليار دولار خلال العامين الماضيين، في خطوة فسّرها محللون على أنها استعداد لاحتمال حدوث اضطرابات مالية واسعة خلال الفترة المقبلة.
وتأتي الأزمة المحتملة أيضاً في ظل أوضاع اقتصادية عالمية معقدة، فأسعار الطاقة لا تزال مرتفعة مقارنة بمتوسطاتها السابقة، كما أنّ استمرار التوترات الجيوسياسية وتباطؤ الاقتصاد الصيني يضيفان مزيداً من الضغوط على الأسواق والشركات، خصوصاً تلك المثقلة بالديون.
ويرى اقتصاديون أنّ انتقال جزء كبير من النشاط المالي إلى ما يعرف بـ”القطاع المالي الموازي” جعل من الصعب على السلطات التنظيمية تقييم حجم المخاطر الحقيقية، لأنّ هذا القطاع يضم صناديق استثمار ومؤسسات تمويل تعمل خارج النظام البنكي التقليدي وتخضع لمستويات أقل من الرقابة والشفافية، وهو ما يزيد احتمالات ظهور خسائر مفاجئة عند حدوث أي اضطراب واسع.
ورغم أنّ الأسواق العالمية لم تدخل بعد مرحلة الانهيار، فإنّ تصاعد حالات التعثر وارتفاع طلبات السحب دفعا البنوك المركزية والهيئات الرقابية إلى متابعة الوضع بحذر، وسط دعوات متزايدة لتشديد الرقابة على صناديق الائتمان الخاص وفرض معايير أكثر صرامة تتعلق بالشفافية وإدارة المخاطر.
ويحذر مراقبون من أنّ تجاهل المؤشرات الحالية قد يعيد تكرار أخطاء الماضي، عندما بدت الأزمات المالية في بدايتها محدودة وقابلة للاحتواء قبل أن تتحول إلى انهيارات واسعة النطاق، لذلك يعتقد كثير من الخبراء أنّ الأشهر المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت الأسواق العالمية ستنجح في احتواء الضغوط الحالية، أم أنّ العالم يتجه نحو أزمة مالية جديدة تبدأ من “الائتمان الخاص” وتمتد إلى الاقتصاد الدولي بأكمله.
The post "أزمة الائتمان الخاص" تضع الأسواق العالمية أمام قنبلة مالية موقوتة appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.