أربعون ألف سبب
المشهد الأول: أبٌ، وأمٌّ، وطفلةٌ لم تُكمل عامين
تخيّل. لا، لا تتخيّل. انظر.
رجلٌ يمسك يد زوجته. الزوجة تمسك طفلةً لم تتجاوز السنتين. الطفلة لا تعرف البحر. لا تعرف الحدود. لا تعرف سبتة ولا المغرب ولا إسبانيا. تعرف فقط أنّ يدَ أبيها دافئة، وأنّ يدَ أمّها ترتجف. وبينهما، بين هاتين اليدين، أشياء بسيطة جدًّا: كيسٌ بلاستيكي، وقنينة ماء، وربّما قطعة خبزٍ يابسة. ثمّ يرفع الرجل قدمه نحو الماء.
كيف نفسّر هذا؟
أيّ عقلٍ سياسيٍّ، أيّ معادلة اقتصادية، أيّ خطابٍ رسميٍّ يستطيع أن يُفسّر لماذا يضع أبٌ طفلته ذات العامين بين أمواجٍ لا ترحم؟ لماذا يختار رجلٌ أن يكون البحرُ حاضنةً لابنته بدل أن يكون سريرُها في غرفةٍ ذات سقف؟
لا تفسير. أو بالأحرى: التفسير الوحيد هو أنّ الأبوة حين تُحاصَر، تختار المستحيل على العجز. أنّ رجلاً يفضّل أن يُغامر بابنته في الماء على أن يراها تكبر في جوعٍ صامت.
المشهد الثاني: ابنٌ يحمل أمّه على ظهره
شابٌّ في حدود الأربعين. أربعون سنةً من الحياة، من الانتظار، من “غدًا سيكون أفضل”. وعلى ظهره أمٌّ عجوز. لا كرسيّ متحرّك. لا قارب. لا سترة نجاة. ظهرُ ابنٍ هو الوسيلة الوحيدة.
يقطع الممرّ البحريّ. الماء يصل إلى صدره. الأمّ العجوز تتشبّث بعنقه. هو لا يلتفت. لا يستطيع أن يلتفت. لو التفتَ لرأى الخوف في عينيها، ولو رأى الخوف لانهار.
كيف نفسّر هذا؟
ابنٌ في الأربعين، المفترض أن يكون في ذروة العطاء، في ذروة البناء، يتحوّل إلى دابة حملٍ بشرية تحمل أمّه عبر الماء. ليس لأنّه يريد الهجرة. ليس لأنّه يبحث عن جنّة أوروبية. بل لأنّه يقول بجسده ما لا يقوله لسانه: “لن أترككِ هنا. لن أترككِ تموتين في صمت.”
هذا ليس هجرة. هذا وعدٌ جسديٌّ بالوفاء. هذا ابنٌ يقول لأمّه: “ظهري لكِ، كما كان حضنكِ لي.”
المشهد الثالث: شاباتٌ في مقتبل العمر
فتياتٌ في العشرين، ربما اقل أو أكثر. شعرهنّ مبلّل. عيونهنّ ثابتة متلألئة. ابتسامات مرسومة. لا ينظرن خلفهنّ.
كيف نفسّر أن شابةً في ربيع عمرها تُغامر بحياتها – بحياتها هي، لا بحياة غيرها – وتُلقي بنفسها في ماءٍ بارد، في ظلام، في مجهول؟
لأنّها تعبت. تعبت من أن يقال لها: “اصبري”. تعبت من أن يُقال لها: “الفرصة ستأتي”. تعبت من أن ترى الغشّ في كل شيء: في الامتحانات، في التوظيف، في الوعود، في الخطابات. تعبت من أن تكون مؤهّلةً في نظامٍ لا يعترف بالتأهيل.
المشهد الرابع: أربعون ألفاً
أربعون ألف مواطن. ليسوا أرقامًا في نشرة إخبارية. ليسوا “موجة” ولا “تدفّقًا” ولا “ظاهرة”. أربعون ألف إنسان. أربعون ألف قصة. أربعون ألف سببٍ مختلف.
فيهم الفقير جدًّا الذي لم يعد يملك ثمن الخبز. وفيهم المتوسط الذي يملك الخبز لكنّه لا يملك الأفق. فيهم العاطل الذي ينتظر منذ عشر سنوات. وفيهم العامل الذي يعمل ولا يكفيه عمله. فيهم من يحمل شهادةً عليا ولا يجد مكتبًا. وفيهم من لا يحمل شيئًا سوى يديه.
أربعون ألفًا يرمون بأنفسهم في البحر. في البحر. ليس في حافلة، ليس في طائرة، ليس في قطار. في الماء. بأجسادهم. بأطفالهم. بأمهاتهم على ظهورهم.
السؤال الذي لا جواب له: لماذا؟
لماذا هذا الكمّ؟ لماذا لم يعد الناس يحتملون؟ لماذا تحوّل الصبر، الذي كان فضيلةً مغربيةً بامتياز، إلى سمٍّ بطيء؟
لأنّ الأحلام أصبحت أكبر من الإمكانيات. ليس لأنّ الناس تحلم كثيرًا، بل لأنّ الإمكانيات صُفِّرت. لأنّ شابًّا في الثلاثين ينظر حوله فيرى: الغشّ في التعليم، الغشّ في الصحة، الغشّ في الإدارة، الغشّ في السياسة، الغشّ في الاقتصاد، الغشّ في الكلمة. يرى أنّ من يغشّ ينجح، ومن يصبر يُنسى.
كيف نُطمئن شابًّا أنّ له مستقبلًا وهو يرى المستقبل يُباع في السوق السوداء؟ كيف نقول لفتاةٍ “غدًا أفضل” وهي ترى أنّ الغد لا يأتي، وأنّ من يأتي هو نفس الأمس بوجهٍ مختلف؟
حين يُصبح البحر مصيرًا
في واضحة النهار، أمام عيون الحراس، هرعت أمواج بشرية، القدم على القدم واليد في اليد، تشق طريقها نحو حدود مدينة سبتة المغربية المحتلة. اختفت أمامهم الحواجز احتضنوا ماء البحر، فلا برودته طوتهم عما يريدون فعله ولا أمواجه أفزعتهم ليتراجعوا. تزاحموا، انتشلوا بعضهم بعضا. مشوا فوق بعضهم حتى قطعوا إلى الضفة الأخرى، رغم أنها أرض وطن واحد سلبت ذات يوم.
بعضهم مات. مات في الماء. مات قبل أن يصل. مات والطفلة ذات العامين لا تزال تمسك يده. مات والأمّ العجوز لا تزال على ظهره. مات ولم يعرف أحدٌ اسمه. الأغلبية نجت. نجت بأعجوبة، ببرودة الماء، بحظٍّ أعمى.
والأغلبية رجعت. رجعت لأنّ الإجراءات القانونية التي يجب على السلطات الإسبانية اتباعها لم تكتمل. رجعت لأنّ البيروقراطية أبطأ من اليأس. رجعت لتجد نفس الدكاكين المغلقة، نفس الأفق المسدود، نفس السؤال: وماذا بعد؟
وبقي حوالي ثلاثة آلاف مغربيّ. ثلاثة آلاف عبروا البحر لأنّ الإجراءات القانونية – تلك الإجراءات التي تُسمّى “حماية” – تمنع إرجاعهم فورًا. ثلاثة آلاف عالقون في منطقةٍ قانونيةٍ رمادية:
لا هم أحرار، ولا هم مُعادون. معلّقون.
كيف نخرج من هذا المأزق؟
لا أملك جوابًا. ومن يدّعي أنّه يملك جوابًا جاهزًا يكذب. لكنّني أملك أسئلة:
كيف نخرج من مأزقٍ أصبح فيه البحرُ أرحمَ من اليابسة؟ كيف نخرج من مأزقٍ أصبح فيه الغرقُ احتمالًا مقبولًا مقارنةً بالبقاء؟ كيف نخرج من مأزقٍ يُقال فيه للشاب: “اصبر”، فيصبر عشر سنوات، عشرين سنة، ثمّ يرى الغشّ ينجح في كل مكان، فيقول: “لا. سأذهب. ولو سباحة.”؟
كيف نُطمئن جيلًا كاملًا بأنّ له مكانًا، وأنّ جهده لن يُسرق، وأنّ شهادته لن تكون ورقةً في درج، وأنّ كرامته ليست مشروطةً بوساطةٍ أو بـ”معرفة “؟
كلمة أخيرة
الطفلة ذات العامين لا تعرف لماذا هي في الماء. الأمّ العجوز على ظهر ابنها لا تعرف إن كانت ستصل. الشابة التي تمشي في البحر لا تعرف إن كانت ستعيش.
لكنّهم جميعًا يعرفون شيئًا واحدًا: أنّ البقاء حيث هم أصبح أثقل من المخاطرة بالموت.
وهذا، وهذا وحده، هو السؤال الذي يجب أن يُطرَح. ليس “لماذا ذهبوا؟” بل “ما الذي جعل البقاء مستحيلًا؟”
أربعون ألف جسدٍ في الماء ليسوا مشكلة أمنية. ليسوا أزمة حدودية. ليسوا “ملفًّا” يُطوى.
أربعون ألف جسدٍ في الماء هم رسالة. رسالة مكتوبة بملح البحر وبأصابع أطفالٍ لم تتعلّم الكتابة بعد. رسالة تقول: ” نحن هنا. كنا هنا….”
The post أربعون ألف سبب appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.