أخصائيون نفسيون ينبهون إلى مخاطر "التعصب الكروي" لدى الأطفال
مع تواصل الحماس الذي يرافق منافسات كرة القدم، يبرز إلى الواجهة موضوع يتجاوز نتائج المباريات وأداء المنتخبات ليشمل تأثير أجواء التشجيع في نفسية الأطفال واحتمالات انزلاقهم نحو التعصب الكروي، مما يفتح المجال للحديث عن السبل الكفيلة بحمايتهم من آثاره، وتعزيز متعة متابعة الرياضة في إطار يقوم على الاحترام والروح الرياضية من جهة، والحفاظ على السلامة النفسية للأطفال من جهة أخرى.
تعصّب كرويّ
ندى الفضل، أخصائية ومعالجة نفسية إكلينيكية، قالت إنه “مع تزايد شغف الأطفال بمتابعة مباريات كرة القدم، خاصة خلال المنافسات الكبرى، يلاحظ الكثير من الآباء والمربين التأثير الانفعالي القوي الذي تتركه نتائج المباريات على مشاعرهم وسلوكهم”، مضيفة أن “الراشدين يمتلكون في الغالب القدرة على فهم مشاعرهم وتنظيمها والتعامل مع خيبة الأمل أو نشوة الفوز بشكل متوازن، إلا أن الطفل لا يزال في طور اكتساب هذه المهارات النفسية والانفعالية”.
وأضافت الفضل، في تصريح لهسبريس، أن “الطفل عندما يتعلق بشكل مفرط بفريق معين، قد تصبح نتيجة المباراة بالنسبة إليه أكثر من مجرد حدث رياضي، فتتحول إلى تجربة شخصية يعيشها بكل تفاصيلها الوجدانية، وقد يؤدي الفوز إلى حالة من الفرح المفرط والاندفاع الانفعالي، في حين قد تتسبب الخسارة في الحزن الشديد أو الغضب أو الإحباط، بل وقد تؤدي لدى بعض الأطفال إلى البكاء أو الانسحاب أو السلوك العدواني تجاه الآخرين”.
وأشارت المتحدثة ذاتها إلى أن “الخطورة تزداد عندما يتعرض الطفل لخطابات التعصب الرياضي أو يشاهد نماذج من السلوك العدواني بين المشجعين، سواء داخل الأسرة أو عبر وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي”، موردة أنه “في هذه الحالة قد يبدأ في تبني أفكار قائمة على رفض الآخر أو التقليل من شأنه أو اعتباره خصما يجب كرهه، بدل النظر إليه كمنافس في إطار لعبة رياضية، كما قد يتعلم أن الإهانة والسخرية والعنف اللفظي وسائل مقبولة للتعبير عن الانتماء الرياضي”.
ومن الناحية النفسية، أكدت الأخصائية والمعالجة النفسية الإكلينيكية أن “التعصب الكروي لدى الأطفال قد يؤثر على قدرتهم على تقبل الاختلاف، وعلى مهاراتهم في إدارة الانفعالات والتعامل مع الإحباط والفشل، كما قد يساهم في بناء صورة ذهنية تجعل قيمة الفرد أو الجماعة مرتبطة بالفوز فقط، وهو ما يتعارض مع مبادئ النمو النفسي السليم”.
ولحماية الأطفال، شددت الفضل على ضرورة “مساعدتهم على فهم أن الرياضة مجال للتعلم والمتعة والترفيه، وليست مقياسا للقيمة الشخصية أو سببا للعداء بين الناس، كما ينبغي تعليمهم أن الفوز والخسارة جزءان طبيعيان من أي منافسة، وأن احترام المنافس والاعتراف بجهوده لا يقل أهمية عن تشجيع الفريق المفضل”.
ونبهت الأخصائية إلى أن “دور الأسرة لا يقتصر على مرافقة الطفل في مشاهدة المباريات، بل يمتد إلى غرس قيم الروح الرياضية، والاحترام، والتسامح، وضبط الانفعالات”، مشددة على أن “الأطفال لا يتعلمون من الكلام فقط، بل يتعلمون أيضا من الطريقة التي يشاهدون بها الكبار وهم يتفاعلون مع الأحداث الرياضية”.
وختمت ندى الفضل توضيحها بالإشارة إلى أن “كرة القدم تبقى فرصة تربوية ثمينة إذا أحسنا استثمارها، فهي لا تعلم الأطفال فقط مهارات اللعب والتشجيع، بل يمكن أن تعلمهم دروسا عميقة في الصبر، وتقبل الخسارة، واحترام الاختلاف، والتعايش مع الآخر مهما كانت ألوان الفريق الذي يشجعه”.
حماية نفسية
من جانبه، قال إبراهيم الحسناوي، أخصائي نفسي إكلينيكي، في توضيح لهسبريس، إن “الراشدين يمتلكون، بفضل نضجهم العصبي والمعرفي، آليات دفاعية واستراتيجيات تأقلم تسمح لهم باستيعاب صدمات الخسارة الرياضية أو استيعاب نشوة الفوز دون أن يتأثر هيكلهم النفسي العميق، لكن الوضع يختلف جذريا لدى الأطفال؛ إذ تشكل الـ 90 دقيقة من عمر المباراة حملا عاطفيا مكثفا يقع على جهاز عصبي في طور التكوين”.
ومن منظور علم النفس الإكلينيكي وتطور الطفل، أشار الحسناوي إلى أن “الأمر يتجاوز مجرد مشاهدة لعبة، ليصبح تجربة شعورية حادة تتطلب فهما دقيقا لمخاطرها وكيفية احتوائها”، موضحا أن “القشرة الجبهية المسؤولة عن كبح الانفعالات والمنطق لا تكتمل نضجها لدى الأطفال، لذلك، فإن مشاعر الإحباط أو الحزن الناتجة عن خسارة الفريق لا تتم معالجتها كحدث رياضي عابر، بل يختبرها الطفل كانزعاج نفسي عميق ومطلق، وهذا الخلل قد يترجم سريريا إلى نوبات غضب وبكاء هستيري، أو حتى انسحاب وانغلاق مؤقت”.
ومن جهة أخرى، واستنادا إلى نظرية “باندورا” في التعلم الاجتماعي، أكد الأخصائي ذاته أن “الطفل يمتص السلوكيات الانفعالية لمحيطه، وعندما يشاهد البالغين (الوالدين، الأقارب) يصرخون ويشتمون، أو يكسرون الأشياء غضبا من الحكم أو اللاعبين، فإنه يقوم بـ’نمذجة’ هذه الاستجابات، وهنا تولد النواة الأولى للتعصب المتمثلة في الاعتقاد بأن العنف اللفظي أو المادي هو استجابة طبيعية ومقبولة للإحباط”.
وأفاد الحسناوي بأن “الأطفال يميلون إلى ربط قيمتهم الذاتية بانتصارات الفريق الذي يشجعونه، و’الفريق خسر’ تترجم في اللاوعي الطفولي إلى ‘أنا ضعيف’ أو ‘نحن فاشلون’، وهذا التماهي الخطير يجعله عرضة للتنمر في المدرسة في اليوم التالي للمباراة، مما يخلق مستويات عالية من القلق”، مضيفا أن “التوتر الشديد قبل وأثناء المباراة يرفع مستويات الكورتيزول والأدرينالين لدى الطفل بشكل قد يفوق قدرته على التحمل السيكولوجي والفسيولوجي. وقد تظهر أعراض جسدية مثل آلام المعدة الوهمية، أو اضطرابات النوم والكوابيس والتأطير الليلي المرتبطة بالتفريغ العاطفي المكبوت”.
ونبه المتحدث ذاته إلى أن “حماية الأطفال لا تعني منعهم من متعة الرياضة، بل تعني ‘التأطير النفسي’ لهذه التجربة”، مشددا على أن “المصد الأول لحماية الطفل هو سلوك البالغ أمامه لتقليل ‘العدوى الانفعالية’، وعلى البالغين التعبير عن الإحباط بطريقة ناضجة، بدلا من الشتم أو الصراخ المبالغ فيه”، مؤكدا ضرورة “تفكيك التفكير الثنائي (الأسود أو الأبيض/الفوز أو الكارثة) في ذهن الطفل؛ إذ يتطلب ذلك تغيير السردية المرافقة للمباراة قبل بدئها، بالتركيز على قيم مثل المجهود البدني، خطة اللعب الممتعة، والروح الرياضية…”.
وقال إبراهيم الحسناوي: “بمجرد انتهاء المباراة بخسارة، يجب تشجيع الطفل على تسمية مشاعره لتجنب كبتها أو تحويلها لسلوك عدواني”، مضيفا أنه “لتفادي زرع بذور التعصب الكروي، يجب التوقف عن استخدام مصطلحات الحرب والعداء تجاه الفريق الخصم في المنزل، ويجب تذكير الطفل باستمرار بأن لاعبي الخصم هم رياضيون محترفون يقومون بوظيفتهم ويرغبون بالفوز مثلنا تماما، وأنه لا يوجد صراع شخصي خارج إطار الـ 90 دقيقة”.
وختم الحسناوي توضيحه بالتأكيد على أنه “لا يجب إجبار الطفل على إكمال مشاهدة المباراة إذا ظهرت عليه علامات التوتر الشديد كتسارع التنفس أو قضم الأظافر، كما ينبغي السماح له بمغادرة الغرفة، أو خفض مستوى الصوت والتوقف عن التركيز المفرط، لتخفيف العبء الحسي والعودة به إلى حالة الاستقرار”.
The post أخصائيون نفسيون ينبهون إلى مخاطر "التعصب الكروي" لدى الأطفال appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.