أحمد رامي الحاج... حين يستعيد القضاء صوته

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

المحامي خالد عجاج


 

 

في الدول التي تمر بأزمات وجودية يصبح القضاء أكثر من مجرد سلطة دستورية، يتحول إلى الميزان الذي تقاس به قدرة الدولة على البقاء. فحين تفقد المحاكم هيبتها لا يخسر الناس ثقتهم بالعدالة فحسب، بل تتصدع فكرة الدولة نفسها، ويصبح القانون مجرد نصوص عاجزة أمام النفوذ والمال والسياسة. 
ولعل هذه هي المعضلة التي عاشها لبنان خلال العقود الأخيرة إذ تراكمت الخيبات بفعل ملفات بقيت معلقة وتحقيقات توقفت عند حدود المصالح وأحكام انتظرها اللبنانيون سنوات من دون أن ترى النور، حتى ترسخ الاعتقاد أن العدالة في لبنان ليست عمياء بل مثقلة بضغوط السياسة وتوازناتها.
من هنا لا تبدو الحاجة اليوم إلى قاضٍ استثنائي بقدر ما تبدو الحاجة إلى قضاء يستعيد طبيعته. فالدول لا تُبنى على بطولات الأفراد بل على مؤسسات قادرة على تطبيق القانون على الجميع بلا خوف ولا محاباة. لكن في المراحل الانتقالية يصبح أداء بعض القضاة مؤشراً على إمكان ولادة نهج مختلف يعيد الاعتبار إلى الوظيفة القضائية بوصفها الضامن الأخير لهيبة الدولة.
في هذا السياق، يبرز اسم النائب العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج، لا لأن الرجل سعى إلى الأضواء بل لأنه اختار أن يتحدث من خلال قراراته. فمنذ توليه مسؤولياته بدا حريصاً على أن يبقى القضاء بعيداً من الاستعراض الإعلامي، وأن يكون القانون هو اللغة الوحيدة التي يخاطب بها الرأي العام. وهذه المقاربة في بلد اعتاد فيه اللبنانيون ربط القضاء بالسياسة، تحمل في ذاتها رسالةً تتجاوز شخص القاضي لتلامس صورة المؤسسة التي يمثلها.
وقد ظهر ذلك بوضوح في تعامله مع ملف حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة، بحيث حاول وفق ما عكسه مسار الإجراءات، الجمع بين احترام الضمانات القانونية والاعتبارات الإنسانية من جهة، وعدم السماح بتحويل التأجيلات أو الأعذار إلى وسيلة لتعطيل التحقيق من جهة أخرى. فالعدالة لا تُختزل بالشدة كما أنها لا تستقيم بالتساهل، وإنما تقوم على تطبيق القانون بثبات من دون انفعال أو انتقائية، ومن دون أن يتأثر مسارها بحجم الموقع الذي شغله المدعى عليه أو بالنفوذ الذي أحاط به لسنوات.
ولم يقتصر هذا النهج على الملفات المالية، بل امتد إلى قضايا ذات حساسية سياسية ووطنية. فقد شكّل القرار الذي اتخذه بشأن توقيف أنطون صحناوي في القضية المرتبطة بالعشاء مع رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، محطةً أخرى عكست مقاربة قضائية تقوم على أن القانون لا يتجزأ وأن الملفات لا تقاس بحجم الضجيج السياسي الذي يرافقها، بل بما يتوافر فيها من معطيات وإجراءات قانونية. وبصرف النظر عن تباين الآراء حول القضية، فإن الرسالة التي حملها القرار كانت واضحة؛ لا يجوز أن يصبح القضاء انتقائياً ولا أن يخضع لمعادلة الأشخاص أو المواقع أو الظروف السياسية.
ولعل أكثر ما يلفت في شخصية أحمد رامي الحاج هو هدوؤه. ففي زمن ترتفع فيه الأصوات اختار أن يترك لقراراته أن تتحدث. وفي زمن يسعى فيه كثيرون إلى تسجيل المواقف بدا أكثر ميلاً إلى تسجيل السوابق القانونية. وهذا ما يحتاج إليه القضاء اللبناني اليوم، قضاة يؤمنون بأن الاستقلال لا يكون بالشعارات بل بالقدرة على اتخاذ القرار عندما تشتد الضغوط، وبالتزام النص القانوني عندما تصبح المخارج السياسية أكثر إغراءً.
ومع ذلك لإن الإنصاف يفرض عدم تحميل أي قاضٍ مسؤولية إصلاح مؤسسة بكاملها. فاستعادة ثقة اللبنانيين بالقضاء لن تتحقق بجهود فردية، مهما كانت مخلصة بل تحتاج إلى إرادة سياسية تحترم الفصل بين السلطات، وإلى تشريعات تعزز استقلال القضاء وإلى ثقافة عامة تعتبر أن العدالة ليست خصماً لأحد، بل الضمانة الوحيدة لبقاء الدولة.
ربما لا يكون من المبكر القول إن لبنان يقف اليوم أمام فرصة لإعادة الاعتبار إلى سلطته القضائية، شرط ألا يبقى ما نشهده مجرد استثناء عابر. فالعدالة لا تقاس بقرار واحد ولا بملف واحد ولا بقاضٍ واحد، بل بقدرة المؤسسة القضائية على الثبات عندما تقترب من أصحاب النفوذ، وعلى إقناع اللبنانيين بأن القانون لم يعد يميز بين قوي وضعيف. وعندها فقط يمكن القول إن الدولة بدأت تستعيد نفسها من بوابة القضاء، وإن أسماء القضاة وفي مقدمهم أحمد رامي الحاج ستُذكر لأنهم ساهموا في إعادة بناء الثقة، لا لأنهم كانوا استثناء في زمن غابت فيه العدالة.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية