أحمد باهنين.. شاعر يحرس ذاكرة "لغن"
في البيئات التي ما تزال الكلمة فيها تحتفظ بسلطانها، لا يُولد الشاعر دفعة واحدة، بل يتخلق على مهل، بين مجالس السمر، وأحاديث الرواة، وتلاوة القرآن، وإيقاع الحياة اليومية. فهناك، حيث تتعانق الذاكرة الشفوية مع قيم المجتمع، تتفتق الموهبة، ويشتد عودها، حتى تغدو الكلمة رسالة، والشعر هوية، والإبداع امتدادا يعكس تجربة جماعة برمتها.
في هذا المناخ الثقافي الأصيل تشكلت تجربة الشاعر أحمد محمود باهنين، الملقب بـ”شاعر الشباب”، ليصبح اليوم واحدا من أبرز الأصوات التي نذرت موهبتها لخدمة الشعر الحساني، أو ما يعرف في الثقافة البيضانية بـ”لغن”، ذلك الفن الذي لم يكن مجرد قول موزون، بل ظل، على مر العصور، ديوان المجتمع البيضاني، ووعاء ذاكرته، ولسان وجدانه، ومرآة قيمه، وسجلا حيا لتفاصيل حياته الدقيقة.
وُلد أحمد محمود باهنين سنة 1972 بدوار اعوينة أيتوسى بإقليم آسا الزاك، ونشأ في بيت توارث العلم والفقه جيلا بعد جيل، فكان لذلك المحيط المحافظ أثر بالغ في تكوين شخصيته وصقل وجدانه. وفي كنف والده، الفقيه المرحوم محمد ولد مولاي عمر، تلقى أولى معارفه، فحفظ ما تيسر من القرآن الكريم، وتشرب منذ نعومة أظفاره قيم العلم، وأدب اللغة، وهيبة الكلمة، فكانت تلك التربية المبكرة نواة لتكوينه الثقافي والروحي.
ولئن كان هذا التكوين الديني قد أرسى في نفسه ملكة الانضباط اللغوي، ورسخ صلته بالبيان العربي، فإنه لم يكن وحده كافيا لصناعة شاعر؛ بل هيأ الأرضية الخصبة التي ازدهرت فيها موهبة فطرية، وجدت في البيئة البيضانية بما تزخر به من رواية وشعر ومشافهة مجالها الطبيعي للنمو، قبل أن تشق طريقها إلى التعبير والإبداع.
تشكل التجربة الشعرية وخصوصية الأسلوب
كانت الإذاعة نافذته الأولى على عالم الشعر الشعبي؛ فقد تابع بشغف برنامج “الأدب الشعبي” الذي كان يقدمه الإعلامي محمد معروف الرصافي، قبل أن ينتقل من مقام المستمع إلى فضاءات المشافهة، حيث المجالس السمرية التي كانت بمنزلة جامعات مفتوحة، يتبارى فيها الشعراء، وتتناقل فيها القصائد، ويُصقل فيها الذوق الأدبي. هناك تشكل وعيه الشعري، وأدرك أن الشعر ليس مجرد كلام موزون، بل معرفة بالحياة، وإحاطة باللغة، وصدق في التعبير.
كما نهل باهنين من تجارب كبار شعراء المجال البيضاني، وتأثر بأسماء وازنة، من بينها الكفية ولد بوسيف، وولد الگصري، وغيرهما من أعلام الشعر الحساني الذين امتد إشعاعهم في مختلف ربوع المجال البيضاني. غير أن هذا التأثر لم يتحول إلى محاكاة، بل كان معبرا نحو بناء شخصيته الشعرية المستقلة، القائمة على الجمع بين أصالة الموروث وخصوصية التجربة.
تميزت قصائده بجزالة اللفظ، ودقة الصورة، وإحكام البناء، مع قدرة لافتة على التقاط التفاصيل الصغيرة وتحويلها إلى مشاهد شعرية تنبض بالحياة. فهو شاعر يكتب من داخل البيئة الصحراوية، لا عنها؛ ولذلك تحضر في شعره قيم الشهامة والوفاء والحنين، كما تحضر مفردات الحياة البدوية بكل ما تختزنه من رمزية وثراء دلالي، دون أن تفقد القصيدة طابعها الإنساني القادر على مخاطبة المتلقي أينما كان.
وخلال مسيرته الأدبية، شارك في العديد من اللقاءات الثقافية والمهرجانات الشعرية على المستويات المحلية والجهوية والوطنية، ونال عددًا من الشهادات التقديرية والدروع التكريمية، تقديرًا لإسهامه في خدمة الشعر الحساني، والمحافظة على أحد أهم روافد الثقافة الحسانية.
ويمثل ديوانه الأول، الموسوم بـ”مدررگ فاغناه السانو مطررگ”، محطة بارزة في مساره الإبداعي؛ إذ يضم مجموعة من القصائد التي تعكس نضج تجربته، وتمكنه من أدوات القول الشعري، وقدرته على تطويع لغة “لغن” في صور موحية تجمع بين عذوبة الإيقاع وعمق الدلالة. إنه ديوان ينهل من الذاكرة الجماعية، لكنه لا يكتفي باستعادتها، بل يعيد تشكيلها شعريا، فيمنحها حياة جديدة.
حين تتحول الطفولة إلى ذاكرة شعرية
وإذا كان أهل الشعر الحساني يصفون الشاعر المطبوع بأنه صاحب “العَتْنَة”، فإن هذا الوصف ينطبق على أحمد محمود باهنين بامتياز؛ فهو من أولئك الذين لا يفتعلون القصيدة، وإنما تأتيهم طائعة، سليقة وموهبة، بعد أن تشربوا أسرار هذا الفن من أفواه فحول الشعراء، ومن مجالسة أهل القول.
ولعل أجمل ما يقرب القارئ من عالم أحمد محمود باهنين هو الإصغاء إلى شعره نفسه. ففي الكاف الآتي يستدعي الشاعر طفولته، لا بوصفها ذكرى شخصية فحسب، بل باعتبارها صورة لجيل كامل عاش تفاصيل البادية، وتربى على قيمها، قبل أن يباغته الزمن بشيبه وتقلباته :
يامس هون انا بگروني
وجهي امرد مافيه ازغب
واسرع من هذا نگروني
شيبات افراسي عاد اشهب
كنت اندوي اللغو الگدام
كيف الهيه افرحبت لخيام
متگرح عيار وكلام
ولاهو شي فالبال امركب
المرگب لوخي والسلام
ولا نگرا ولا نكتب
لوح امجادي ولا لكلام
نلگط منو ديگات اعرب
ولا والدتي بالتمام
لالتهات اتگشر لحطب
نعطيها تفاگي مانلتام
نتليع عرفي يتگلب
هاكذا كنت والسلام
نظحك نظحك نلعب نلعب
يامس هون انا بگروني
وجهي امرد مافيه ازغب
هنا يفتتح الشاعر نصه بمفارقة مؤثرة بين الأمس واليوم؛ فبالأمس كان طفلا حليق الرأس وفق الهيئة التقليدية المعروفة بـ”الگرون”، لا أثر للشيب في رأسه، ولا للزغب في وجهه، ثم لم تمض إلا سنوات قليلة حتى اكتسى رأسه بالبياض. إنها شكوى رقيقة من سرعة انقضاء العمر، لكنها تأتي في ثوب الحكمة لا في ثوب الرثاء.
ويمضي النص ليستعيد تفاصيل الحياة البدوية في بساطتها الأولى؛ طفل لا يشغله سوى إبعاد صغار الماشية عن الخيام، والانكباب على حفظ لوحه القرآني، ومرافقة والدته وهي تجمع الحطب لإعداد الطعام. غير أن الخيال الطفولي يحول تلك المرافقة البسيطة إلى بطولة، فيرى نفسه حارسا لأمه في طريق العودة إلى الخيمة، مزهوا بحلاقة رأسه التقليدية، وكأنه فارس صغير يحرس عالمه الآمن.
تكمن قيمة هذا النص في صدقه الإنساني، وفي قدرته على تحويل اليومي والعابر إلى شعر باق. فهو لا يستدعي الماضي بكاء عليه، وإنما يستحضره باعتباره خزينة للمعنى، ومرآة لهوية مجتمع كامل.
من هنا تتجلى خصوصية تجربة أحمد محمود باهنين، شاعرا جعل من “لغن” سجلا للذاكرة، ولسانا للوجدان، وجسرا يصل الماضي بالحاضر، محافظا على أصالة الشعر الحساني، ومؤكدا أنه ما يزال قادرا على الإبداع والعطاء، ما دامت الصحراء تنجب شعراء يعرفون كيف يصغون إلى نبضها.
باحث في الأدب المغاربي
The post أحمد باهنين.. شاعر يحرس ذاكرة "لغن" appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.