أبعاد الاستثمار التكنولوجي والحسابات الجيوسياسة بين الرباط وبيجين..

في الوقت الذي تشخص فيه أبصار المخططين الاستراتيجيين في العواصم الكبرى نحو منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تزامناً مع ما تسرب من كواليس الدبلوماسية الدولية حول الاتفاق المرتقب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، ومذكرة التفاهم الاستراتيجية الشاملة والمفاجئة التي سيتم توقيعها رسمياً يوم الجمعة 19-06-2026؛ يتأكد بالملموس أن قواعد اللعبة الجيوسياسية العالمية تعاد صياغتها على نطاق واسع وضمن سياسة محاور بالغة التعقيد والخطورة. هذا التحول الدولي المتسارع، الذي يبرز رغبة القوى العظمى في تبريد بعض الجبهات للتفرغ لصراع النفوذ الأكبر، يمنحنا سياقاً مثالياً وفلسفياً لفهم حقيقة التحركات الصينية الأخيرة تجاه شمال إفريقيا، وتحديداً نحو المملكة المغربية.

مخاطر محتملة

وتأسيساً على المقاربة البنيوية المقال السباق المعنون ب” المبادلات التجارية المغربية الصينية: قراءة بنيوية في معضلة العجز التجاري وأوهام الانفتاح الجمركي..”، والتي فككنا فيها كلفة الانفتاح الجمركي المباشر على النسيج الإنتاجي المحلي في ظل عجز تجاري هيكلي قارب حاجز 10مليار دولار ، ينتقل بنا التحليل الآن إلى الواجهة الجيو-استراتيجية الأكثر تعقيداً في هذا الملف الحرج. إن رصد أبعاد المقترح الصيني لا يمكن اختزاله في حسابات الحماية الجمركية الجافة، بل يستوجب إخضاعه لتقدير استراتيجي بارد يربط بين طموحات بيجين التكنولوجية وحروب الممرات الدولية، وبين الهوامش المتاحة للقرار السيادي المغربي وسط هذا الاستقطاب العالمي المحموم. إن حماية الموقع الاعتباري للمملكة تفرض صياغة توازن دقيق يضمن الاستفادة من التدفقات الرأسمالية والاستثمارية، ويحول دون السقوط التدريجي في مصيدة التبعية اللاشعورية لقوة تصنيعية كوكبية تسعى لإعادة هندسة الجغرافيا السياسية والاقتصادية عبر بوابات الائتمان وسلاسل التوريد الحساسة.

جاذبية الاستثمارات

يكمن الخلل البنيوي في المقاربة الاقتصادية الليبرالية التي تخلط تسرعاً بين ضرورة فتح الحدود أمام السلع والتجارة الحرة، وبين القدرة على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتوطينها؛ إذ يظهر التحليل الأكاديمي الحصيف أن تدفق الرساميل الصينية الضخمة نحو المغرب لم يكن مشروطاً مطلقاً بوجود اتفاق تبادل حر بين البلدين، بل كان مدفوعاً بالأساس بالامتيازات الجيو-اقتصادية والاتفاقيات الحمائية المتقدمة التي يمتلكها المغرب مع المعسكر الغربي.

فالشركات الصينية العملاقة لم تأتي إلى المغرب لبيع منتجاتها في السوق المغربية المحدودة سعتها الاستهلاكية، بل لتأسيس منصات إنتاج تصديرية متطورة تحمل وسم “صنع في المغرب” (Made in Morocco)؛ ويتجسد ذلك رقمياً في مشروع المنظومة الصناعية الضخمة (Gigafactory) لمجموعة Gotion High-Tech بالقنيطرة باستثمار مالي مبدئي يبلغ 12.8 مليار درهم (مع أفق توسعي مرصود يصل إلى 65 مليار درهم)، وكذا الاستثمارات الاستراتيجية لمجموعتي BTR وHailiang بمدينة “طنجة تيك” لإنتاج مكونات بطاريات الليثيوم ورقائق النحاس بغلاف مالي إجمالي يناهز 7.5 مليارات درهم.

الرهان الصيني

إن هذه الأرقام القياسية تؤكد بصورة قاطعة أن الرهان الصيني يتحرك بدوافع جيو-استراتيجية ولوجستية أكبر بكثير من الحوافز الجمركية الثنائية البسيطة؛ حيث تسعى بيجين عبر هذه القواعد التصنيعية المتقدمة في شمال المغرب للالتفاف على القيود الحمائية الغربية، وولوج الأسواق الأوروبية والأمريكية تحت مظلة اتفاقيات التبادل الحر التي تجمع الرباط بواشنطن وبروكسل، وهو ما يمنح المفاوض المغربي أوراق قوة استراتيجية تتيح له الفصل الصارم بين الترحيب بالاستثمارات التكنولوجية النوعية، وبين رفض الانفتاح الجمركي غير المشروط أمام السلع الاستهلاكية تامة الصنع.

صنع في المغرب

هذا الوسم يتيح لهذه الشركات الصينية ولوج الأسواق الأوروبية والأمريكية بنسب رسوم جمركية منخفضة أو منعدمة، والاستفادة من بنود “قانون خفض التضخم الأمريكي” (IRA) والميثاق الأخضر الأوروبي، شريطة احترام قواعد المنشأ الصارمة ونسب الإدماج المحلي المحددة في الاتفاقيات المغربية الغربية؛ وهي استراتيجية تلتف بها بيجين على حروب الرسوم الجمركية المباشرة بينها وبين واشنطن وبروكسل. وبناءً على ذلك، فإن المصلحة الاستراتيجية للمغرب تقتضي الفصل الصارم والواعي بين هذين المسارين؛ فالاستثمارات الصينية التكنولوجية مرحب بها وتجد في المغرب بيئة مثالية لنموها وتوسعها الدولي، بينما فتح السوق الداخلية أمام السلع الصينية الجاهزة عبر اتفاق تبادل حر قد يؤدي إلى نتائج عكسية تماماً، مهدداً الاستقرار الصناعي الوطني دون تقديم أي قيمة مضافة لملف الاستثمارات القائمة التي تتحرك بدوافع جيو-استراتيجية ولوجستية أكبر بكثير من الحوافز الجمركية الثنائية البسيطة.

الحزام والطريق

يعد الانخراط المغربي الرسمي في مبادرة “الحزام والطريق” الصينية منذ توقيع مذكرات التفاهم والخطة التنفيذية المشتركة، خطوة استراتيجية بالغة الأهمية وضعت المملكة في قلب المحور البحري والبري للتجارة العالمية الناشئة، مستغلة موقعها الفريد كجسر رابط بين القارة الإفريقية، وأوروبا، والعالم العربي. وتعتبر الصين أن المحاور اللوجستية المغربية، وخاصة مشروع مدينة “طنجة تيك” التكنولوجية، تمثل مركزاً صناعياً متطوراً ومحطة لوجستية رئيسية لتدفق السلع والخدمات نحو أسواق غرب إفريقيا وعمق القارة السمراء، وهو توجه يتقاطع بذكاء مع الرؤية الأطلسية للملك محمد السادس الرامية إلى تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي وتحويل الواجهة البحرية الغربية لإفريقيا إلى منطقة ازدهار مشترك وشراكة جنوب-جنوب متحررة من رواسب الاستعمار التقليدي.

ذكاء استراتيجي

إلا أن هذا التموقع الاستراتيجي الفريد يفرض على المغرب إدارة توازناته الدبلوماسية والاقتصادية بدقة تامة وبحذر شديد؛ إذ إن الاندماج المفرط وغير المحسوب في المنظومة اللوجستية والمالية الصينية قد يثير حفيظة الشركاء التقليديين والمحوريين للمملكة، وتحديداً الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، الذين يراقبون بحذر شديد تنامي النفوذ الصيني في مناطق نفوذهم التاريخية في شمال إفريقيا والمتوسط. ومن ثم، فإن الذكاء الاستراتيجي المغربي يكمن في الحفاظ على مسافة أمان تضمن الاستفادة القصوى من التمويلات والاستثمارات الصينية الموجهة للبنية التحتية والموانئ والمناطق الصناعية، مع الإبقاء على الالتزامات والشراكات الاستراتيجية والأمنية والعسكرية مع المعسكر الغربي في حالة من التناغم الإيجابي والتحالف المتين الذي يخدم المصالح القومية العليا للمغرب دون السقوط في سياسة المحاور الضيقة أو التحول إلى كبش فداء في صراع العمالقة.

الحسابات الجيوسياسية

لا يمكن فهم أو بناء علاقات اقتصادية مستدامة وعميقة مع قوى دولية بحجم الصين دون استحضار ومناقشة المحددات الجيوسياسية الكبرى والقضايا السيادية الحيوية التي تشكل العقيدة الثابتة للدبلوماسية في كلا البلدين، وعلى رأسها قضية الوحدة الترابية للمملكة المغربية ومغربية الصحراء، وفي المقابل قضية وحدة الأراضي الصينية ومبدأ “الصين الواحدة” فيما يتعلق بملف تايوان. وتلتزم المملكة المغربية تاريخياً وبشكل مبدئي صارم ودائم بالاعتراف بجمهورية الصين الشعبية كممثل شرعي وحيد للشعب الصيني، وتدعم بشكل كامل ومستمر مبدأ سيادة بيجين على كافة أراضيها بما فيها تايوان، وهو موقف يحظى بتقدير كبير من طرف القيادة الصينية التي ترى في المغرب شريكاً موثوقاً يتميز بالاستقرار والوفاء بالالتزامات الدولية بعيداً عن التقلبات السياسية العابرة أو الضغوط الغربية الظرفية.

في المقابل، تتبنى الصين في مجلس الأمن الدولي موقفاً يتميز بالحياد الإيجابي والعقلاني تجاه نزاع الصحراء المغربية، حيث تصوت باستمرار لصالح قرارات مجلس الأمن التي تمدد لبعثة “المينورسو” وتدعو إلى حل سياسي واقعي ومقبول من الأطراف، وهو موقف رصين يعكس رغبة بيجين في عدم خسارة المغرب كبوابة استراتيجية نحو إفريقيا، ومحافظتها في الآن ذاته على توازناتها الدبلوماسية في المنطقة. ومع ذلك، فإن الطموح الاستراتيجي المغربي يتطلع إلى انتقال الموقف الصيني من مرحلة الحياد الإيجابي والدعم التقني في أروقة الأمم المتحدة إلى مرحلة الانسجام الكامل مع الدينامية الدولية المتسارعة التي تقودها قوى عظمى مثل الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا في الاعتراف الصريح بمبادرة الحكم الذاتي كحل وحيد وأوحد لهذا النزاع المفتعل، وهو انتقال يمكن للمغرب أن يحفزه عبر تقديم هوامش استثمارية وتفضيلية أوسع للشركات الصينية في الأقاليم الجنوبية للمملكة، وخاصة في مشاريع الطاقة المتجددة، والهيدروجين الأخضر، والبنيات المينائية بالأطلسي (مثل ميناء الداخلة الأطلسي)، مما يربط المصالح الاقتصادية الحيوية لبيجين بالوحدة الترابية للمملكة بشكل عضوي ومستدام يحول الحياد الدبلوماسي إلى شراكة ميدانية ملموسة.

السيادة الصناعية

تخلص القراءة التحليلية المعمقة لمستقبل العلاقات المغربية الصينية إلى أن المملكة يجب أن تنتقل فوراً من منطق “تلقي الاستثمارات والاستيراد السلعي” إلى منطق “فرض الشروط الاستراتيجية وتحقيق السيادة التكنولوجية الكاملة”، بحيث يصبح توطين المعرفة ونقل التكنولوجيا (Technology Transfer) شرطاً غير قابل للمساومة في أي تفاهمات اقتصادية أو صناعية مستقبلية مع الطرف الصيني. إن المشاريع الضخمة التي تطلقها المجموعات الصينية في المغرب لإنتاج بطاريات الليثيوم ومكونات المحركات الكهربائية لا يجب أن تقتصر بأي حال من الأحوال على دور المناولة البسيطة، أو تحويل البلاد إلى مجرد ورشة تركيب خلفية، أو استغلال اليد العاملة المحلية منخفضة التكلفة والموارد الطبيعية الوطنية؛ بل يجب أن تلتزم بموجب دفاتر تحملات قانونية وتعاقدية صارمة برفع نسب الإدماج المحلي (Local Integration Rate)  لتتجاوز سقف 70% في المديين المتوسط والطويل.

كما يجب إلزام هذه الشركات بإدماج المقاولات الوطنية، والمهندسين، والباحثين المغاربة في مراكز البحث والتطوير والابتكار (R&D) التي يتوجب توطينها قانونياً داخل التراب الوطني لضمان خلق قيمة مضافة حقيقية؛ مع ضرورة قيام الجامعات ومعاهد البحث المغربية بتطوير شراكات أكاديمية وعلمية وثيقة ومباشرة مع المعاهد التقنية الصينية الرائدة لنقل أسرار هذه التكنولوجيات الحديثة وتكوين جيل جديد من الكفاءات الوطنية القادرة على إدارة وتطوير هذه الصناعات الحيوية بشكل مستقل في المستقبل. إن بناء مغرب قوي، صاعد ومؤثر في محيطه الإقليمي والدولي، يستدعي تسيير العلاقات مع “التنين الصيني” بعقلية استراتيجية باردة ومحترفة تؤمن بأن التبادل الحر الحقيقي ليس في فتح الأسواق أمام البضائع الاستهلاكية المتدفقة، بل في القدرة على انتزاع أدوات الإنتاج المعرفي والتكنولوجي التي تصنع ثروة الأمم وتضمن سيادتها الكاملة في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء والمستقلين.

استراتيجية التحوط

أمام هذه التحديات الجيو-اقتصادية البالغة الخطورة والتي تؤكدها القراءة التاريخية والرقمية، يصبح من الواجب على الدبلوماسية الاقتصادية المغربية وصناع القرار في وزارة التجارة والصناعة والمالية عدم الاندفاع نحو توقيع اتفاقيات عامة وشاملة قد ترهق الحساب الجاري للمملكة، وتبني بدلاً من ذلك استراتيجية “التحوط الاقتصادي والتفاوض الانتقائي الصارم”. وتقتضي هذه الاستراتيجية صياغة مقاربة تفاوضية ترتكز على وضع قوائم استثناء جمركي نهائية وطويلة الأمد تشمل كافة القطاعات الصناعية والفلاحية الحساسة التي تشكل عصب النسيج المقاولاتي الوطني، مع اشتراط ربط أي خفض تدريجي للرسوم الجمركية بتحقيق قفزات ملموسة في حجم الاستثمارات الصينية المباشرة الموجهة للتصدير نحو الأسواق الدولية، وليس لتغطية الاستهلاك الداخلي والمنافسة غير العادلة للمنتج المحلي.

كما يجب على المغرب تفعيل وتطوير منظومته القانونية والمؤسساتية الخاصة بآليات الدفاع التجاري ومكافحة الإغراق (Anti-dumping)، والتدابير الوقائية التعويضية، لتكون قادرة على التدخل السريع وبمرونة عالية لحماية الأسواق الوطنية من أي ممارسات تجارية غير منصفة قد تلجأ إليها الشركات الصينية المملوكة للدولة، والتي تستفيد من صيغ دعم خفية وعابرة للحدود تضرب مبدأ التنافسية الشريفة في الصميم. إن الحفاظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية الكبرى وحماية القرار الاقتصادي المستقل للمملكة يقتضيان التعامل مع المقترح الصيني بحذر أكاديمي شديد، بعيداً عن لغة الأرقام العامة والتفاؤل الدبلوماسي المفرط، وبتركيز مطلق على حماية النسيج الإنتاجة الوطني كأولوية استراتيجية قصوى وقيمة سيادية لا تقبل المساومة في عالم مضطرب القواعد.

اقتصاد في سياسة

ولمن أراد التعمق في هذه الرؤية الجيو-اقتصادية والفلسفية الهيكلية الشاملة، ومتابعة تفاصيلها الرياضية والكمية وأبعادها السوسيو-اقتصادية المقارنة، يمكن الرجوع إلى حلقات برنامج “اقتصاد في سياسة” عبر الرابط التالي  youtube.com/@TarikLissaoui .ونود أن ننوه ونلفت انتباه القراء الأعزاء والمتابعين الأوفياء أننا بصدد إطلاق الحلقات الجديدة واستئناف بث البرنامج في توقيته المعتاد قريباً جداً، لمواصلة تفكيك هذه التحولات المتسارعة على الساحة الدولية ومواكبة تداعياتها الإستراتيجية والجيوسياسية على منطقتنا العربية.. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون..

أكاديمي وكاتب مغربي

اقرأ المقال كاملاً على لكم