أأنتم الموتى أم نحن؟
“ضحايا أحداث سبتة السليبة : أأنتم الموتى أم نحن؟”
رحم الله ضحايانا في نازلة محاولات العبور الجماعية وغير النظامية التي سجّلت دخول جحافل من المغاربة، وضمنهم جنسيات أخرى إلى مدينة سبتة السليبة. وقد قدّرت السلطات الإسبانية عددهم بأكثر من سبعين ألف شخص، وهو الرقم الذي صححته السلطات المغربية بناءً على» منظومات المراقبة والتتبع الميداني المعتمدة «و قدّرت عدد العابرين بأربعين ألف شخص نحو مدينة سبتة، بالإضافة إلى أكثر من ألف شخص نحو مدينة مليلية.
لا شك أن المسؤولية عمّا حدث في مدينة سبتة بالخصوص، تتحملها مختلف الأطراف المتدخلة أو المعنية بالموضوع. وكيفما كانت الأسباب والخلفيات، لا يمكن أن نقبل بموت أبناء المغرب وبناته في ظروف شبه انتحارية، سواء تعلق الأمر بفئات المجتمع المقهورة، أو بالمستهترين الذين اعتبروا الأمر مجرد مغامرة وتسلية.
ونسجل هنا استهانة بعض الأسر المغربية بسلامة أبنائها وعدم مواكبتهم في مختلف اختياراتهم؟ وأين المجتمع المدني المغربي الذي أبان دائماً عن روح مسؤولية عالية؟ فكل ما نلاحظه إلى حدود الآن هو جاهزية الأجهزة الأمنية المغربية، وفاعليتها في صون الأمن العام، بالإضافة إلى تدبير الجهات الرسمية لنقل وعودة الحشود التي توافدت على سبتة من كل حدب وصوب.
لقد أعلنت السلطات الإسبانية عن انتشال أزيد من 70 قتيلاً من المياه البحرية الحدودية بين المغرب وثغره المحتل، قبل أن تعلن السلطات المغربية رسمياً، وبناءً على تحريات وصفتها بالدقيقة، عن أحد عشر ضحية فقط.
وفي الحالتين، يظل الأمر متعلقاً بفاجعة إنسانية فقد فيها المغرب -فجأة- عدداً من أبنائه وبناته، بعد أن واجهوا الرعب والتعنيف جراء تدافعهم فيما بينهم، في اللحظات الأخيرة من حياتهم. وحتى اللذين سلموا من الموت، لم يسلموا من العنف والتجويع المتعمد من لدن السلطات الاسبانية.
لقد كان النازحون، وإن خاب تقديرهم، يحلمون بالعبور إلى واقع آخر اعتقدوه أفضل، فلم يولوا أدنى اهتمام للعواقب التي عاينها جميعا وعينها معنا العالم بأسره.
نحن الآن أمام عائلات مغربية مكلومة في مناطق مختلفة من البلاد، جراء الفقد المؤكد أو القلق الناجم عن ترقب أخبار العائبين.
من وجهة نظر سياسية، نحن نثق كل الثقة في قدرات المغرب على تدبير الأزمات وتجاوزها. وقد تعودنا من بلادنا أن تخرج من الظروف المماثلة بمكتسبات وبتجربة، رغم ما قد يترتب عنها من خسائر مادية أو بشرية أو معنوية.
وأما إنسانياً، فلا يمكن أن نقبل بالتعامل مع ظرف من قبيل فاجعة سبتة الحالية بالحياد في الرأي والسلبية في الفعل والتماطل والتملص، خاصة من لدن الفاعلين السياسيين والحقوقيين والخبراء والباحثين، ورجال ونساء الإعلام والصحافة، بالإضافة إلى الفنانين باعتبارهم ضمير المجتمع الذي لا ينام، ومختلف المواطنين النبلاء، كل من موقعه.
إننا أمام وضعية انفلات أمني متكررة، وهو وضع يسائل نجاعة نموذج الإصلاح المجتمعي الذي يتبناه المغرب بمؤسساته الرسمية والمدنية ومختلف مكوناته، ومدى انعكاسه الفعلي على أوضاع ومبادئ الشباب، وعلى غراره مختلف فئات المجتمع.
وبعيداً عن المبادرات المؤسساتية والاجتماعية، لا مبرر لتحفظ المواطن/الفرد على رأيه، وتغيب فاعليته في فترات الالتباس والاضطراب التي تهم بلاده ومواطنيه. قد نتفهم تأخر الأجهزة الرسمية للدولة في التصريح بمواقفها والإفصاح عن معطياتها، باعتبار أن الأمر يستلزم تفعيل المؤسسات للتحري الدقيق واستطلاع الأوضاع والتنسيق بين المسؤولين. أما المواطن فلا شيء يمنعه من التعبير عن الرأي في حينه، بلياقة ومسؤولية.
لا مجال للمواقف الرمادية في الظروف الحالكة. ونحن المسرحيون بالأخص لا يمكننا أن نقبل بذلك. فقد علمنا المسرح: “إما أن نكون أو لا نكون”، ولكننا أصبحنا نعيش نزعة جامحة وغير مبررة لأن “نكون ولا نكون”.
فما الأسباب الكامنة وراء هذا الوضع المستجد فينا؟
-فنان، وباحث مسرحي
The post أأنتم الموتى أم نحن؟ appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.