آلام الظهر والأصوات المرتفعة... علاقة مفاجئة!
لم تعد آلام الظهر ترتبط بخللٍ ميكانيكي أو بإصابة أو بضغط على الفقرات فحسب، إذ ستُفاجأ عندما تعلم أنّ هناك رابطاً بين آلام الظهر هذه والأصوات. هذا ما أثبتته دراسة " Auditory Hyperresponsivity in Chronic Back Pain: A Randomized Controlled Trial of Pain Reprocessing Therapy"، التي خلُصت إلى أنّ الأشخاص الذين يعانون من آلام الظهر المزمنة هم ممن يعالِجون الأصوات، وبخاصة الأصوات المزعجة، بشكلٍ أكثر حدة من الأشخاص الذين لا يعانون من الألم. فأدمغتهم تميل إلى تضخيم المعلومات الحسية المزعجة، وليس الألم فقط. إذ تُعالَج الأصوات بشكل أساسي في القشرة السمعية للفص الصدغي من الدماغ، والواقعة قرب الأذنين. وتساهم مناطق أعمق في هذه المنطقة، مثل الفص الجزيري، في تشكيل التجربة العاطفية للأحاسيس، بما في ذلك الألم وبعض الأصوات.
وأكّدت الدراسة أنّ الأشخاص الذين يعانون من آلام الظهر المزمنة يتفاعلون بقوة أكبر مع الأصوات المزعجة مقارنةً بـ 84 في المئة من الأشخاص الذين لا يعانون من الألم. وقد ارتبطت درجة الانزعاج المُبلَّغ عنها استجابةً للأصوات المؤلمة بشدة آلام الظهر.

وبحسب المؤلف الرئيسي للدراسة يوني ك. آشار، قد يكون هناك مفتاح تحكّم مشترك في الدماغ ينظم شدة آلام الظهر ومدى إزعاج الأصوات.
ولتوضيح الصورة أكثر، حلّل الباحثون في هذه الدراسة، صوراً دماغية لـ 142 بالغاً يعانون من آلام الظهر المزمنة، وقارنوها
بـ51 شخصاً لا يعانون من الألم. وباستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي لمراقبة تدفق الدم ومؤشرات أخرى، طلب الباحثون من المشاركين الاستماع إلى أصواتٍ مزعجة مخفوضة وعالية الشدة، وتقييم مدى إزعاجها، مثل صوت صرير السكين عند احتكاكها بالزجاج. ووجد الباحثون أنّ الأشخاص الذين يعانون من الألم لم يُقيّموا الأصوات على أنها أكثر إزعاجاً فحسب، بل أظهرت صورهم الدماغية أيضاً رد فعل أقوى من أولئك الذين لا يعانون من الألم.
أجسام "حسّاسة أكثر من اللازم"
وفي شرح أعمق، توضح رئيسة الاتحاد العربي للعلاج الطبيعي الفيزيائي الدكتورة سيدة ساسين صهيون في حديث إلى "النهار"، أنّ هذا الرابط هو العلاقة بين الألم المزمن في الظهر والتغيرات التي تحدث في معالجة الدماغ، أو في الجهاز العصبي المركزي للإشارات التي تصل إليه.
فعندما يعاني الشخص من ألمٍ مزمن في الظهر، يكون الجهاز العصبي في حالة استنفار زائد وتأهّب. هذه الحالة تجعل الدماغ لا يعالج الإشارات الحسية بطريقةٍ متوازنة كما في الوضع الطبيعي، بل يحدث نوع من التضخيم العام للإحساس بهذه الإشارات. أي أنّ الدماغ، وفق صهيون، بدلاً من أن يستقبل الإشارات الحسية بشكل عادي، يصبح أكثر حساسية عليها. فقد يُفسَّر الإحساس في آلام الظهر مثلاً، على أنه أكثر إزعاجاً أو ألماً ممّا هو عليه فعلياً.

وتلفت صهيون إلى أنّه حتى اللمسات الحسية البسيطة من خلال اليد، والتي من المفترض أن تكون طبيعية أو خفيفة، قد يشعر بها الشخص كأنها لمسة قوية ومزعجة، أو حتى كأنّها ألم، رغم أنّها في الواقع مجرد ضغط خفيف. وهذا الأمر يُفسَّر بأن المناطق في الدماغ المسؤولة عن الإحساس وعن الألم يكون لديها نشاط أعلى من المعدل الطبيعي، وهو ما نسمّيه فرط النشاط (hyperactivity).
بمعنى آخر، أي إشارة حسية بسيطة جداً، يتم تضخيمها داخل الدماغ، يشعر بها الشخص على أنها أقوى بكثير ممّا هي عليه في الواقع. وهذا يفسّر لماذا قد يشعر بعض الأشخاص الذين يعانون من ألمٍ مزمن بأن أجسامهم "حسّاسة أكثر من اللازم"، سواء حيال اللمس أو حتى حيال محفزاتٍ أخرى مثل الصوت أو الضغط، أو حتى الضوء (الإنارة).