آخ يا بلدنا
عكس المسرح الشعبي لعقود طويلة صورا هزلية لحياة اللبنانيين. وكان اللبناني يذهب إلى "مسرح فاروق" ليضحك من نفسه طويلا أمام حكايات "أبو العبد" الذي كان في الحقيقة رجلا من الأشرفية يدعى "أبو نبيل"٬ ويعرف كيف يجعل المدينة تضحك على نفسها.
بينما ظل "أبو العبد" أسير يومياته المسرحية٬ أطل على المسرح شاب يعمل في النهار موظفا في بنك، وفي المساء مهرجا حتى العظم. كان اسمه الفني "شوشو" وهويته حسن علاء الدين.
كان يجمع بين شوشو و"أبو العبد"٬ اللهجة البيروتية المطولة المفخمة المرخمة التي لا مثيل لظرفها في اللهجات. وتسنى له، إضافة إلى مواهبه الكوميدية الخارقة٬ كاتب مسرحي بمواهب وثقافات شتى٬ هو فارس يواكيم. ثنائي لا يتكرر.
تسنى للاثنين٬ عامل أكثر أهمية: الحرية! وبتلك الحرية الراقية أشعلا المسرح ضحكا وهتافا. ومع تهافت الناس على المسرح٬ أكثر شوشو من النقد السياسي والاجتماعي٬ أي الدراما٬ وقلل من الكوميديا. سوف يجعل المسرح وسيلة مثل الصحافة وسائر الفنون، وأداة حقيقية من أدوات التنوير. لذلك لم يعد يكتفي بأن يهتز جمهوره ضحكا٬ بل أصبح يمتحن تجاوبه مع حساسيات النقد.
كانت إحدى أهم تجاربه المؤثرة في هذا الباب مسرحية "آخ يا بلدنا"، وفيها ذلك العنوان الفرعي "شحادين يا بلدنا". في البداية بدا العنوان ثقيلا أو مهينا، أو مبالغا في "جلد الذات". وتوسع الجدل عندما جعل ياسر هواري العنوان موضوع غلاف مجلته "الديار". غير أن شوشو قد ربح المعركة ووضع عنوانا مختصرا وموجعا لحالة البلد الآيل إلى الانهيار.
هتفنا يومها "آخ يا بلدنا" ولا نزال نردد الآهة كل يوم. وما زال الألم يوجع كل يوم٬ وما زالت "شحادين يا بلدنا" شكوى الأيام والسنين ووصف الواقع والضنك. دولة تختصرها بضعة عناوين نظنها مضحكة من أعمال شوشو أو غوار الطوشي: "حارة كل مين إيدو إلو".
ولكن تأمل الوضع قليلا٬ إذا كنت قادرا على الاحتمال: كم حارة وكم مربعا وكم تهكما رآها شوشو منذ أوائل السبعينيات وصرخ؟ لكنه لم يرَ خاتمة أو خلاصا: "كيفك يا شخص؟"