950 مليون شخص مهددون بانعدام الأمن الغذائي بحلول عام 2030
في وقت كانت فيه الأسواق الزراعية العالمية تلتقط أنفاسها بعد موجة التقلبات التي شهدتها خلال السنوات الماضية، عادت التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط لتضع الأمن الغذائي العالمي أمام اختبار جديد. فبينما سجلت أسعار عدد من السلع الزراعية تراجعاً خلال عام 2025، بدأت مؤشرات المخاطر بالتصاعد مجدداً مع تعطل تدفقات النفط والأسمدة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الشرايين التجارية في العالم.
وتحذر تقديرات البنك الدولي من أن استمرار الاضطرابات الحادة في حركة الملاحة عبر المضيق حتى منتصف عام 2026، وعدم عودة العبور إلى مستوياته الطبيعية بحلول نهاية العام نفسه، قد يدفع عدد الأشخاص الذين يعانون انعدام الأمن الغذائي عالمياً إلى نحو 908 ملايين شخص، في واحدة من أكبر موجات الضغوط الغذائية التي يشهدها العالم خلال السنوات الأخيرة.
ويأتي هذا التحذير في وقت يقدّر فيه برنامج الأغذية العالمي أن النزاع الدائر في الشرق الأوسط قد يؤدي إلى دخول نحو 45 مليون شخص إضافي في دائرة الجوع الحاد بحلول منتصف عام 2026، ما يعكس حجم الترابط بين الجغرافيا السياسية وأسواق الغذاء والطاقة العالمية.
مضيق هرمز... نقطة الاختناق الأخطر للاقتصاد العالمي
يُعد مضيق هرمز من أكثر الممرات البحرية حساسية على مستوى العالم، إذ تمر عبره كميات ضخمة من النفط الخام والغاز الطبيعي المسال المتجهة إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية والعالمية.
وأي اضطراب في حركة الملاحة داخل هذا الممر ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي من خلال:
ارتفاع أسعار النفط والغاز.
زيادة تكاليف الشحن البحري والتأمين.
تأخير وصول السلع الأساسية إلى الأسواق.
ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي والصناعي.
ارتفاع أسعار الأسمدة الزراعية.
زيادة أسعار المواد الغذائية عالمياً.
ولا تقتصر أهمية المضيق على تجارة الطاقة فقط، بل تمتد إلى دوره الحيوي في نقل المواد الأولية الداخلة في إنتاج الأسمدة، ما يجعله عنصراً محورياً في معادلة الأمن الغذائي العالمي.

هنا السؤال الذي طرحة الكثيرون، كيف تنتقل أزمة الطاقة إلى موائد الغذاء؟
تربط علاقة وثيقة بين أسعار الطاقة وأسعار الغذاء، إذ تعتمد الزراعة الحديثة اعتماداً كبيراً على الوقود والطاقة في مختلف مراحل الإنتاج.
فعندما ترتفع أسعار النفط والغاز نتيجة اضطرابات الإمدادات، ترتفع بالتوازي:
كلفة تشغيل المعدات الزراعية.
كلفة إنتاج الأسمدة.
نفقات النقل والشحن.
تكاليف التخزين والتبريد.
تكاليف التصنيع الغذائي.
وتنعكس هذه الزيادات مباشرة على أسعار السلع الأساسية مثل القمح والأرز والذرة والزيوت النباتية، ما يؤدي إلى تراجع القدرة الشرائية للأسر، خصوصاً في الدول المنخفضة والمتوسطة الدخل.
أسعار الأسمدة تشعل المخاوف
رغم أن أسعار الغذاء العالمية حافظت على قدر من الاستقرار خلال الربع الأول من عام 2026، فإن المؤشرات الاستشرافية بدأت تعطي إشارات مقلقة.
فقد سجلت أسعار الأسمدة ارتفاعاً حاداً منذ شباط/ فبراير حتى حزيرين/ يونيو 2026، حيث قفزت أسعار اليوريا بنسبة 46% على أساس شهري، بحسب تقديرات أسواق السلع الأساسية لدى البنك الدولي. ووفقاً لدائرة التسويق الزراعي الأميركية، بلغ متوسط سعر اليوريا 859 دولاراً للطن، وهذا السعر أعلى بكثير من سعر العقود الآجلة العالمية البالغ 366 دولاراً للطن اعتباراً من 26 حزيران. وقد بلغ متوسط سعر فوسفات الأمونيوم الأحادي 1125 دولاراً للطن، والبوتاس 659 دولاراً للطن، وتعد هذه الاسعار أعلى بكثير من العام الماضي بالرغم من انخفاض المؤشر العالمي.
ويرى خبراء في منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) ووزارة الزراعة الأميركية (USDA) أن الارتفاعات الحادة في أسعار الأسمدة قد تمهد لموجة تضخمية جديدة في أسواق الغذاء، إذ تُعد الأسمدة من أكبر عناصر التكلفة في الإنتاج الزراعي، لا سيما لمحاصيل الحبوب الرئيسية مثل الذرة والقمح. وتُظهر بيانات دائرة البحوث الاقتصادية التابعة لوزارة الزراعة الأميركية أن الأسمدة تشكل ما بين 33% و45% من التكاليف التشغيلية لبعض المحاصيل، ما يجعل أي زيادة في أسعارها قابلة للانتقال تدريجياً إلى أسعار الغذاء النهائية.
كما تحذر منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) من أن صدمات الطاقة وتعطل طرق التجارة العالمية قد تؤدي إلى ارتفاعات أكبر في أسعار الغذاء خلال الأشهر المقبلة.
أسعار السلع الزراعية... تراجع عام وصعود للحبوب
أظهرت بيانات الأسواق العالمية منذ التحديث الصادر في كانون الأول/ديسمبر 2025 تبايناً واضحاً في أداء السلع الزراعية.
فقد:
انخفض مؤشر أسعار السلع الزراعية بنسبة 7%.
تراجع مؤشر أسعار الصادرات الزراعية بنسبة 30%.
ارتفع مؤشر أسعار الحبوب بنسبة 7%.
وجاء تراجع مؤشر الصادرات مدفوعاً بانخفاض أسعار الكاكاو بنسبة 65% والبن بنسبة 18%.
في المقابل، ارتفعت أسعار:
القمح بنسبة 13%.
الذرة بنسبة 4%.
الأرز بنسبة 5%.
وعلى أساس سنوي:
ارتفع متوسط سعر القمح بنسبة 7%.
تراجعت أسعار الأرز بنسبة 2%.
انخفضت أسعار الذرة بنسبة 6%.
كما لا تزال أسعار الذرة أعلى بنحو 20% مقارنة بمستويات كانون الثاني/يناير 2020، فيما تزيد أسعار القمح بنسبة 7% عن مستويات ما قبل الجائحة تقريباً.
النزاعات والمناخ... المحركان الرئيسيان للجوع
رغم أهمية العوامل الاقتصادية، لا تزال النزاعات المسلحة والصدمات المناخية العاملين الأكثر تأثيراً في تفاقم أزمة الأمن الغذائي عالمياً.
وتشير تقديرات تقارير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) إلى أن أكثر من 87 مليون شخص في شرق أفريقيا وجنوبها يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، نتيجة تداخل النزاعات مع الجفاف والفيضانات وتراجع الإنتاج الزراعي.
كما يُتوقع أن يعاني 52 مليون شخص انعدام الأمن الغذائي الحاد في غرب أفريقيا ووسطها بحلول منتصف عام 2026، مقارنة بنحو 41.8 مليون شخص حالياً.
أفريقيا... بؤرة المخاطر الأكبر
تشهد دول مثل السودان وجنوب السودان وجمهورية الكونغو الديموقراطية أوضاعاً غذائية متدهورة نتيجة النزوح الواسع والفيضانات وصعوبة إيصال المساعدات الإنسانية.
وتحذر المؤسسات الدولية من أن بعض المناطق باتت تواجه مخاطر حقيقية لحدوث مجاعات محلية إذا استمرت النزاعات وتعطلت عمليات الإغاثة.
ورغم أن غرب أفريقيا ووسطها سجلتا تحسناً في الإنتاج الزراعي خلال عام 2025، حيث ارتفع إنتاج الحبوب بأكثر من 7% مقارنة بالموسم السابق وبأكثر من 10% فوق متوسط السنوات الخمس الماضية، فإن هشاشة الأوضاع الأمنية والمناخية لا تزال تهدد المكاسب المحققة.
آسيا... صورة متباينة بين الوفرة والنقص
في شرق آسيا والمحيط الهادئ ساهمت وفرة إنتاج الأرز وارتفاع المخزونات في استقرار الأسواق الغذائية، خصوصاً في إندونيسيا والفلبين.
لكن الصورة تختلف في ميانمار ولاوس، حيث أدت النزاعات وتراجع الإنتاج المحلي إلى ارتفاع حاد في الأسعار وتفاقم أوضاع ملايين الأسر.
أما في جنوب آسيا، فقد سجلت الهند إنتاجاً قياسياً للحبوب خلال موسم 2025-2026 مستفيدة من الظروف المناخية الجيدة وارتفاع المخزونات الحكومية.
في المقابل، تعرضت سريلانكا لخسائر زراعية نتيجة الأعاصير التي ضربتها أواخر عام 2025، فيما تواجه الهند وبنغلادش ضغوطاً متزايدة بسبب ارتفاع أسعار الأسمدة وتكاليف الأمن الغذائي.

الشرق الأوسط وشمال أفريقيا... الأكثر حساسية للصدمات
تُعد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من أكثر المناطق تعرضاً لتداعيات أي اضطراب في أسواق الغذاء والطاقة، نظراً لاعتماد العديد من دولها على الاستيراد.
ورغم تحسن الأمطار في الجزائر والمغرب وتونس خلال موسم 2025-2026، فإن المخاطر الإقليمية لا تزال مرتفعة بفعل التوترات الجيوسياسية وفجوات تمويل المساعدات الإنسانية.
وتبرز بعض المؤشرات المقلقة في المنطقة:
يعاني 63% من الأسر في اليمن عجزاً في تلبية الحد الأدنى من الاحتياجات الغذائية.
يواجه 80% من سكان سوريا مستويات مختلفة من انعدام الأمن الغذائي رغم بعض التحسن النسبي.
سجل لبنان مستويات أزمة أو أسوأ لدى 17% من السكان خلال الفترة الممتدة بين تشرين الثاني 2025 وآذار 2026.
تشهد أفغانستان تراجعاً إضافياً في الأوضاع الغذائية نتيجة ارتفاع الأسعار وضعف الدخل.
أميركا اللاتينية وأوروبا تحت ضغط التكاليف
في أميركا اللاتينية والكاريبي، تتزايد المخاطر مع ارتفاع تكاليف الطاقة والشحن والأسمدة، خصوصاً في الدول ذات الاعتماد المرتفع على الواردات.
وتواجه البرازيل تحديات مرتبطة باعتمادها الكبير على استيراد الأسمدة، فيما تتفاقم أزمة الأمن الغذائي في هايتي بفعل التضخم والفقر والكوارث الطبيعية.
أما في أوروبا وآسيا الوسطى، فالإمدادات الغذائية لا تزال متوافرة عموماً، لكن تقلبات الأسعار ارتفعت بصورة ملحوظة، بينما يواجه المستوردون ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة ومخاطر اضطرابات الطاقة.
تداعيات اقتصادية واجتماعية واسعة
إذا استمرت الأزمة الحالية، فإن آثارها لن تقتصر على الغذاء فقط، بل ستمتد إلى الاقتصاد العالمي بأكمله.
ومن أبرز التداعيات الاقتصادية المتوقعة:
ارتفاع معدلات التضخم العالمية.
تباطؤ النمو الاقتصادي.
زيادة مستويات الفقر.
ارتفاع الإنفاق الحكومي على الدعم الغذائي.
تراجع القوة الشرائية للأسر.
زيادة الضغوط على الموازنات العامة.
أما اجتماعياً، فتشمل التداعيات:
ارتفاع معدلات الجوع وسوء التغذية.
اتساع فجوة الدخل بين الفئات الاجتماعية.
زيادة الاعتماد على المساعدات الإنسانية.
تصاعد احتمالات الاضطرابات الاجتماعية في بعض الدول نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة.
كيف يمكن احتواء الأزمة؟
ترى المؤسسات الدولية أن الحد من تداعيات الأزمة يتطلب تحركاً سريعاً على مستويات عدة، أبرزها:
تعزيز المخزونات الاستراتيجية للغذاء.
تنويع مصادر استيراد الغذاء والطاقة.
دعم الفئات الأكثر هشاشة عبر شبكات الحماية الاجتماعية.
تحسين كفاءة سلاسل الإمداد والنقل.
تشجيع الإنتاج الزراعي المحلي.
تعزيز التعاون الدولي للحفاظ على استقرار الأسواق.
توسيع الاستثمار في الطاقة المتجددة للحد من الاعتماد على الوقود الأحفوري.
أمن الغذاء رهينة الجغرافيا السياسية
في المحصلة، تكشف التطورات الحالية حجم الترابط بين الأمن الغذائي العالمي والأوضاع الجيوسياسية. فاضطراب الملاحة في ممر استراتيجي مثل مضيق هرمز لا ينعكس فقط على أسعار النفط، بل يمتد أثره إلى كلفة الأسمدة والإنتاج الزراعي والشحن وسلاسل التوريد العالمية.
ومع اقتراب عدد المعرّضين لانعدام الأمن الغذائي الشديد من 950 مليون شخص بحلول عام 2030 وفق السيناريو المتشائم للبنك الدولي، إذا لم تُتخذ إجراءات إضافية، تبدو الحاجة ملحّة إلى تعزيز مرونة الأنظمة الغذائية العالمية وتوسيع التعاون الدولي، لتجنّب تحوّل أزمات الطاقة والنقل إلى أزمة غذاء عالمية جديدة قد تطاول مئات الملايين حول العالم.
وفي هذا السياق، بات من الضروري أن تعيد الدول في مختلف أنحاء العالم ترتيب أولويات سياساتها الاقتصادية والتنموية، وأن تجعل من القطاع الزراعي ركناً أساسياً في بناء اقتصاداتها، عبر دعمه وتعزيز استثماراته، باعتبار أن الأمن الغذائي يشكّل أحد أهم مقومات استدامة المجتمعات واستقرارها.
وكما جاء في المقولة الشهيرة: «ويلٌ لأمةٍ تأكل مما لا تزرع، وتلبس مما لا تخيط، وتشرب مما لا تعصر».