50 يوماً تسبق العمل... ما الذي يعطّل إصلاح كابلات إنترنت البحر الأحمر؟
في 18 شباط/فبراير 2024، أصابت مقذوفة حوثية سفينة الشحن "روبيمار" قبالة باب المندب. لم تغرق فوراً، بل ظلت أسبوعين تنجرف ومرساتها تحرث قاع البحر، فقطعت ثلاثة كابلات إنترنت عابرة للقارات؛ "آسيا-أفريقيا-أوروبا 1" و"بوابة أوروبا-الهند" و"سيكوم". حُوّلت حركة البيانات إلى مسارات بديلة في دقائق، ولم تُستعد خدمة الكابل الأول كاملةً إلا بعد نحو خمسة أشهر.
تكشف هذه الواقعة عن المخاطر التي تحيط بالكابلات البحرية في البحر الأحمر؛ إذ تُظهر بيانات دولية حديثة، حصلت "النهار" على نسخة منها، أن الفجوة بين استدعاء سفينة الإصلاح وقدرتها على البدء تجاوزت خمسين يوماً عالمياً في المتوسط، وأن ممر البحر الأحمر يقع في الخانة الأبطأ عالمياً.
وبحسب تقرير الهيئة الاستشارية الدولية لمرونة الكابلات البحرية، الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات واللجنة الدولية لحماية الكابلات في تموز/يوليو 2026، تضاعف هذا المتوسط بأكثر من مرتين بين 2012 و2024. ويُظهر تحديث اللجنة الأحدث أنه بلغ ذروته عند 64 يوماً في 2022، ثم 52 في 2024، قبل أن يتراجع إلى 49 في 2025.
من الاستدعاء إلى بدء العمل
وفي تصريح لـ"النهار"، قال متحدث باسم "أورانج"، التي ترأس اتفاقية صيانة كابلات البحر المتوسط، ونطاقها يمتد إلى البحر الأحمر ،إن الخطوة الأولى بعد أي قطع ليست الإصلاح بل تحويل حركة البيانات، عبر "ضمان تنوّع المسارات بإتاحة مسارين إلى ثلاثة مسارات مختلفة"، إلى كابل بحري آخر أو كابل بري أو عبر الأقمار الصناعية.
وأضاف أن "سفينة إصلاح في حالة استعداد تستطيع المغادرة عادةً خلال 24 ساعة" بعد تحديد العطل، لكن "يجب تحميلها بالكابل الصحيح وقطع الغيار، إذ يتطلب كل إصلاح معدات خاصة بالكابل المعني. وفي بعض الحالات يتعيّن عليها أن تبحر أولاً إلى موقع آخر لجمع المواد اللازمة". وتابع أن زمن الإبحار وحده "يمكن أن يتراوح من بضعة أيام إلى أسبوع أو حتى أسبوعين"، وأن الإصلاح نفسه يستغرق "أياماً عدة".
وقال المتحدث إن الشرط الأول لأي تدخل هو "وصول آمن ومؤمَّن إلى المنطقة التي وقع فيها الحادث"، وإن العمليات في مناطق النزاع "مثل البحر الأحمر" تصبح أكثر تعقيداً "ما لم تتوافر التصاريح والتفويضات والظروف الأمنية اللازمة". وأشار إلى أن تنفيذ الشركة لأي إصلاح "يتوقف على الترتيبات التعاقدية القائمة مع العملاء".

التصاريح والعوائق الأخرى
وفي رده على "النهار"، وصف الاتحاد الدولي للاتصالات التصاريح والموافقات الإدارية بأنها "واحد من أهم العوائق التنظيمية أمام إصلاح الكابلات في الوقت المناسب"، وقال إنها "كثيراً ما تتفاقم بفعل عوامل خارجية مثل توافر السفن والأحوال الجوية السيئة".
ويفكّك تقرير أيار/مايو 2026 التأخير بحسب سببه الرئيسي. ويُظهر أن انشغال السفينة بإصلاح سابق كان السبب الأكبر في 2024، متجاوزاً خمسة وعشرين يوماً، مقابل نحو تسعة أيام بسبب التصاريح. وفي 2025 تراجع أثر الإصلاحات السابقة إلى نحو أربعة عشر يوماً، فيما ارتفع أثر التصاريح إلى نحو ثمانية عشر.
ونقل المدير العام للجنة الدولية لحماية الكابلات البحرية، جون روتسلي عن المستشار القانوني الدولي للجنة، أن "فحوص العقوبات، وقواعد حصر النشاط في السفن الوطنية، وتأشيرات الطاقم، والتأمين ضد مخاطر الحرب، كل هذه المسائل يمكن أن تُعقّد الإصلاحات بصرف النظر عن التصاريح".
وأضاف أن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تتيح للدولة الساحلية اشتراط الموافقة على أي إصلاح في بحرها الإقليمي، لا في منطقتها الاقتصادية الخالصة أو على جرفها القاري.
وقالت اللجنة إن الدول الأسرع استجابةً "لديها عادةً تصريح مسبق أو عملية إخطار أو أحكام تشريعية محددة تتيح بدء الإصلاحات فوراً". ويورد التقرير 7.3 أيام في هولندا و8.1 في بريطانيا و8.6 في جنوب أفريقيا، فيما "لا تشترط أستراليا ونيوزيلندا تصريح إصلاح" أصلاً.
وتصنّف خريطة أوردها التقرير ممر البحر الأحمر ضمن فئة "من شهر إلى شهرين" لبدء الإصلاح، وأجزاء من الخليج ضمن "أكثر من شهرين". ولا تظهر عليها أي قاعدة لسفن الكابلات داخل البحر الأحمر، وأقربها في صلالة والفجيرة.

الأسطول والمسار البديل
من جانبه، قال آلان مولدين، مدير الأبحاث في شركة "تيلي جيوغرافي" الأميركية المتخصصة في بيانات الاتصالات الدولية، لـ"النهار"، إن التمييز بين أسباب التأخير في حالة بعينها غير ممكن اعتماداً على البيانات العامة، "إذ قد تكون هناك أسباب متعددة، لا سبب واحد". وتقدّر أبحاث الشركة أن الحفاظ على مستوى الخدمة الحالي يتطلب نحو ثلاثة مليارات دولار وعشرين سفينة جديدة.
وتخلص اللجنة إلى أن "وتيرة إصلاح الكابلات ليست في ارتفاع خلافاً للاعتقاد الشائع"، إذ انخفض معدل الأعطال من عطل لكل 5,173 كيلومتراً في 2015 إلى عطل لكل 10,569 كيلومتراً في 2025. لكنها تضيف أن "نموذج التغطية لم يتغيّر إلا قليلاً خلال عقدين"، وأن "الأحداث الجيوسياسية يمكن أن تكون لها عواقب كبيرة على وتيرة الإصلاحات وأزمنة الاستجابة معاً".
وكان من المفترض أن يفتح كابل "تو أفريكا بيرلز" مساراً بديلاً يلتفّ حول البحر الأحمر. لكن العمل فيه توقّف بعدما أعلنت الشركة المكلّفة، "ألكاتيل سبمارين نتوركس"، القوة القاهرة، قائلة إنها لم تعد قادرة على العمل بأمان في الخليج. وقال مايك لاست، من شركة كابل غرب المحيط الهندي العضو في التحالف، لـ"النهار" إن شركته "لا تشارك في مبادرة بيرلز".