452 10 كلم² أو لا دولة… السيادة احتكار كامل للقرار
بسام صراف
كفى إدارة دولة بنصف سيادة، ونصف قرار، ونصف احتكار لمفهوم الدولة نفسه. ما يواجهه لبنان ليس أزمة ظرفية، بل خلل بنيوي في تعريف الدولة الحديثة: كيان يعيش داخل حدوده الجغرافية، لكنه لا يحتكر بالكامل أدوات القوة والقرار السيادي.
لبنان، جغرافيا، دولة مكتملة: 10,452 كلم². لكن الدولة لا تُقاس بالحدود، بل بقدرتها على احتكار استخدام القوة عبر مؤسساتها الشرعية. وحين يتعدد مصدر القرار الأمني والعسكري، تصبح السيادة وظيفةً موزعة لا مركزية، ويتحول مفهوم الدولة إلى إطار إداري أكثر منه سلطة فعلية.
في علم السياسة المقارن، يُنظر إلى احتكار الدولة للعنف المشروع على أنه شرط تأسيسي لأي دولة حديثة. والدولة التي تتشارك هذا الاحتكار مع قوى مسلحة موازية لا تفقد شكلها فحسب، بل تفقد وظيفتها تدريجاً وتدخل في حالة سيادةٍ منقوصة مزمنة.
لبنان اليوم أمام معضلة واضحة: دولة واحدة دستورياً، لكن بنية سيادية غير مكتملة فعلياً. فوجود قوة مسلحة خارج إطار الجيش الوطني يعني عملياً تعدد مراكز القرار الأمني، وما ينتج منه من ازدواجٍ في تعريف الحرب والسلم، وفي صوغ السياسة الداخلية والخارجية معاً.
لكن هذه الإشكالية لا يمكن فصلها عن السياق الإقليمي الأوسع. فلبنان ليس نظاماً مغلقاً، بل يقع ضمن بيئة جيوسياسية معقدة في الشرق الأوسط، حيث تتداخل حدود الدولة مع توازنات نفوذ إقليمي متشابك.
في هذا الإطار، يُشار في عدد من التقارير والتحليلات الصادرة عن مراكز أبحاث في العلاقات الدولية إلى أن "حزب الله" يرتبط بمنظومة دعم إقليمية معقدة، يُنظر إليها على نطاقٍ واسع على أنها تشمل الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بما في ذلك قنوات دعم عسكري ولوجستي ومالي، إضافة إلى تدريب يُنسب في العديد من التقارير إلى جهاتٍ مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني. ويُدرَس هذا النمط في الأدبيات الجيوسياسية ضمن إطار دعم الفاعلين غير الدولتين عبر الحدود، حيث تعمل هذه التنظيمات ضمن شبكات استراتيجية أوسع تتجاوز الإطار الوطني.
هذا الترابط، وفقًا لعدد من التحليلات، يضيف طبقة إقليمية مباشرة على الأزمة اللبنانية، إذ يجعل جزءاً من ميزان القوة داخل الدولة متداخلاً مع توازنات نفوذ أوسع، ما يعقّد عملية احتكار الدولة اللبنانية للسلاح ضمن مؤسساتها الشرعية.
في المقابل، يرى بعض الباحثين أن هذه المعادلة ترتبط أيضاً بعوامل داخلية، تتصل بضعف بنية الدولة وقدرتها الدفاعية، ما ساهم تاريخياً في نشوء أدوار موازية خارج مؤسساتها الرسمية.
وبالتالي، تصبح أزمة السلاح في لبنان جزءاً من معادلةٍ مزدوجة: داخلية تتعلق ببنية الدولة وقدرتها على احتكار القوة، وخارجية تتصل بتشابك المصالح والتوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط.
التجارب الدولية تُظهر أن هذا النوع من الاختلالات لا يُعالج بالقفزات، بل بمسارات طويلة لإعادة توحيد احتكار القوة داخل الدولة. في أيرلندا الشمالية، لم يكن إنهاء العنف ممكنًا إلا عبر اتفاقٍ سياسي أعاد دمج القوى المسلحة ضمن العملية السياسية ونزع طابعها العسكري تدريجاً ضمن تسوية شاملة. وفي كولومبيا، جرى تحويل حركة مسلحة طويلة الأمد إلى فاعل سياسي ضمن إطار دولةٍ واحدة بعد عمليةٍ منظمة لنزع السلاح وإعادة الإدماج. وفي نيبال، تم دمج الفصائل المسلحة أو تفكيك بنيتها العسكرية ضمن تسويةٍ انتقالية متعددة المراحل.
القاسم المشترك في هذه النماذج ليس الإلغاء الفوري، بل إعادة إنتاج الدولة نفسها: نقل مركز القوة من خارج المؤسسات الرسمية إلى داخلها، ضمن تسويات سياسية تدمج البعد الأمني بالإطار الوطني.
هذا الانتقال لا يمكن أن يكون تقنياً أو قسرياً، ولا يُختزل بإجراءات أمنية أو قرارات إدارية. فالتجارب المقارنة تُظهر أن نجاح مثل هذه التحولات يرتبط بمسارات سياسية مركّبة وطويلة الأمد، تقوم على إعادة بناء الثقة بين الدولة ومكوناتها، وليس فقط إعادة توزيع القوة داخلها.
في هذا الإطار، يتطلب أي مسار قابل للاستدامة أربعة مرتكزات أساسية:
-تسوية سياسية داخلية شاملة تعيد صوغ العقد الوطني وتُنتج توازناً مستقراً داخل مؤسسات الدولة.
-تسوية سياسية - خارجية عبر مفاوضات تخفّف من حدّة التوترات الإقليمية وتربط الاستقرار الداخلي ببيئة إقليمية أقل تصادماً، بما يسمح بإعادة تنظيم ملف السلاح ضمن إطارٍ سيادي. وتشمل هذه المقاربة مسارات تفاوضية تتصل بملفات عالقة، مثل تثبيت التهدئة، والتقدّم نحو ترتيبات سلام مرحلية أو دائمة، والعمل على معالجة قضايا حساسة كاسترجاع الأراضي المتنازع عليها وملف الأسرى، ضمن أطر تفاوضية وقانونية تضمن حقوق الدولة اللبنانية وتُدار من خلال مؤسساتها الشرعية.
-ضمانات أمنية داخلية تطمئن مختلف الأطراف إلى أن الانتقال لن يُنتج فراغاً أمنياً، بل توحيد للحماية تحت سقف الدولة.
-إعادة تعريف "الدفاع الوطني" بحيث يصبح وظيفةً حصرية للدولة، تُمارَس عبر مؤسساتها العسكرية الرسمية ضمن عقيدةٍ دفاعية واضحة.
ولا يقلّ أهمية عن ذلك اعتماد مقاربة تدريجية تأخذ في الاعتبار التعقيدات الإقليمية، بحيث لا يكون الانتقال صدامياً، بل جزء من إعادة توازن أوسع يثبت الاستقرار بدل أن يهزّه.
في هذا السياق، يصبح أي مسار جاد في لبنان مرهوناً بقدرة الدولة على استعادة احتكارها الحصري للقوة، عبر مؤسساتها الشرعية، وفي مقدمها الجيش اللبناني، ضمن مقاربةٍ سياسية تدريجية تأخذ في الاعتبار التعقيدات الداخلية والتوازنات الإقليمية المحيطة.
هذا المفهوم يجد بعده الرمزي في الخطاب الوطني الذي قدّمه الشهيد جبران تويني عام 2005، حين قال:
"نقسم بالله العظيم، مسلمين ومسيحيين، أن نبقى موحّدين إلى أبد الآبدين، آمين".
لم يكن هذا الخطاب مجرد تعبير وجداني، بل صياغة مكثفة لفكرة الدولة نفسها: وحدة فوق الانقسام، ومرجعية واحدة لا تتجزأ، وسقف سيادي لا يقبل التوازي.
لبنان لا يحتاج إلى إعادة اختراع الدولة، بل إلى استكمالها. فالدولة إما أن تحتكر سيادتها كاملة داخل حدودها، وإما أن تبقى إطاراً ناقص الوظيفة مهما حافظت على شكلها الدستوري.
في النهاية، السيادة ليست خطاباً سياسياً، بل وظيفة فعلية. والدولة ليست تعريفاً دستورياً، بل احتكار عملي للقرار والقوة.
وعندما يُستعاد هذا الاحتكار بالكامل، يصبح لبنان ليس مجرد 10,452 كلم² على الخريطة، بل دولة مكتملة السيادة، قادرة على الفعل لا على التعايش مع الانقسام.