2006 – 2026 نهايات مهينة لحروبٍ عبثية
في 12 تموز/يوليو 2006، قرر "حزب الله"، من دون استئذان أحد، خطف جنديين إسرائيليين، فوجد لبنان نفسه في واحدة من أعنف الحروب منذ نهاية الحرب الأهلية. بعد 33 يوماً، رفع الحزب شعار "النصر الإلهي". لكن، إن كان ذاك انتصاراً، فلماذا انتهى بقبوله القرار 1701 الذي فرض واقعاً أمنياً جديداً في الجنوب؟
نصّ القرار على وقف الأعمال القتالية، وتعزيز انتشار الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني، وزيادة عديد الـ "يونيفيل"، ومنع أي سلاح خارج الدولة في تلك المنطقة، مع التأكيد على نزع سلاح جميع الميليشيات اللبنانية. بمعنى آخر، انتهت الحرب إلى تثبيت مطالب دولية كان الحزب يرفضها، بعد مقتل أكثر من 1100 لبناني، معظمهم من المدنيين، وإصابة آلاف آخرين، ونزوح نحو مليون نسمة داخل لبنان. لاحقاً، كان إقرار الأمين العام الراحل لـ"حزب الله" حسن نصر الله بأنه لو كان يعلم أن عملية الأسر ستقود إلى تلك الحرب لما أقدم عليها، كان اعترافاً ضمنياً بأن أخطأ في حساباته الاستراتيجية.
بعد "طوفان الأقصى"، فتح "حزب الله" معركة "إسناد غزة". وبعد أكثر من عام من القتال، ما تحررت غزة، وما توقفت إسرائيل عن حربها. على العكس، تحولت قرى جنوب لبنان إلى منطقة منكوبة. وعندما جاء اتفاق وقف الأعمال العدائية، تبين أن الحزب اختبأ خلف إصبع حليفه رئيس البرلمان نبيه بري، وقبل بترتيبات أعادت التأكيد على حصرية السلاح بيد الدولة جنوب الليطاني، وتعزيز انتشار الجيش، فيما احتفظت إسرائيل بوجود عسكري في خمس نقاط استراتيجية داخل لبنان، لأول مرة منذ 2000، أي كانت النتيجة الفعلية تراجع وضع الحزب مقارنة بما كان عليه قبل فتحه الجبهة.

في 2 آذار/مارس 2026، وبعد اغتيال الولايات المتحدة وإسرائيل المرشد الإيراني علي خامنئي، أطلق "حزب الله" 6 صواريخ نافلة باتجاه إسرائيل. لم يكن لبنان يومها معتدى عليه، إذ كانت المعركة مرتبطة بردّ إيراني على تطورات إقليمية، لا أكثر. جاء الرد الإسرائيلي أعنف مما سبقه: تعرضت مناطق واسعة في الجنوب والبقاع والضاحية لضربات كثيفة، وارتفعت أعداد القتلى والجرحى، وتجدد النزوح الجماعي، وتوسعت رقعة الدمار، وتراجعت قدرات الحزب العسكرية بصورة غير مسبوقة. وعندما دخل وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، استمرت إسرائيل في تنفيذ الضربات داخل الأراضي اللبنانية بحجة إزالة التهديدات، وأبقت لنفسها هامشاً واسعاً للتحرك العسكري، فيما بقيت قرى حدودية كثيرة مدمرة أو شبه خالية من سكانها، وتحولت أجزاء واسعة من الشريط الحدودي إلى منطقة لا يستطيع أهلها العودة إليها، فيما كان "حزب الله" يشيّع العشرات من قتلاه، وفيما كان الجنوبيون ينتظرون إعادة إعمار لن تأتي!
يمكن تلخيص مسار الحروب الثلاث بكلمة واحدة: "التدرج". بعد حرب 2006، مثل القرار 1701 إطاراً دولياً واضحاً لتنظيم الوضع الأمني في جنوب لبنان: وقف الأعمال القتالية، انتشار الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني بمؤازرة الـ "يونيفيل"، إعادة التأكيد على ضرورة نزع سلاح المجموعات المسلحة وفق القرارات الدولية السابقة. ورغم أن "حزب الله" أعلن يومها "النصر الإلهي"، فإن النتيجة العملية كانت قبوله، عبر الدولة اللبنانية، بترتيبات أمنية لم يكن ليقبل بها قبل الحرب. ضعف تطبيق القرار 1701 سمح للحزب، خلال السنوات التالية، بإعادة بناء جزء كبير من قدراته العسكرية.
إسناد غزة غيّر المعادلة: جاء اتفاق وقف الأعمال العدائية في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 كآلية تنفيذ أكثر تشدداً للقرار 1701 نفسه: لم يعد المطلوب وقف القتال، إذ صارت الدولة اللبنانية مطالبة بمنع أي نشاط عسكري لحزب الله في جنوب نهر الليطاني، وحصر السلاح بيد الشرعية، وإنشاء آلية رقابة دولية بقيادة أميركية ومشاركة فرنسية. وكان التطور الأبرز أن إسرائيل لم تعد إلى خطوط ما قبل الحرب بالكامل، بل أبقت قواتها في 5 نقاط استراتيجية داخل الأراضي اللبنانية، معتبرة أن الانسحاب الكامل مشروط بزوال التهديد الأمني. وهكذا، انتهت الحرب بمنح إسرائيل موطئ قدم داخل لبنان لم تكن تتمتع به قبل اندلاع المواجهات.
دعم إيران بعد اغتيال خامنئي حمل تحوّلاً أعمق: تحول الحديث من تنفيذ القرار 1701 إلى إعادة صوغ البيئة الأمنية في جنوب لبنان. فالإطار الذي تسرّبت ملامحه بعد وقف إطلاق النار لم يعد يكتفي بالمطالبة بإبعاد مقاتلي "حزب الله" عن الحدود، بل ربط بصورة مباشرة أي انسحاب إسرائيلي كامل بتفكيك البنية العسكرية للحزب، وإنهاء وجوده المسلح في المنطقة الحدودية، مع إبقاء إسرائيل لنفسها حرية التحرك العسكري متى اعتبرت أن تهديداً جديداً قد نشأ.
كم حرباً إضافية نحتاج قبل أن نقتنع جميعاً بأن تحويل لبنان إلى منصة لتصفية الحسابات الإقليمية لم يجلب سوى الخراب، للحزب وبئيته قبل أي لبناني آخر؟