150 لوحة ومحفورة في المؤسسة التي تحمل اسمه... نبضات جان دوبوفيه مغايرة ومتحررة من تقاليد الثقافة الرسمية
تحت عنوان "نبضات"، افتتح في المؤسسة التي تحمل اسمه بالقرب من حي السان جيرمان العريق في الدائرة السادسة، معرض جديد للفنان الفرنسي جان دوبوفيه (1901-1985). أكثر من مئة وخمسين لوحة ومحفورة أنجزها في السنوات الأخيرة من حياته بعد تجاوزه السبعين من عمره، تجسد مرحلة مميزة وغير معروفة كفاية في مسيرته الإبداعية.
كان دوبوفيه قد فرض نفسه ككاتب ومُنظّر لما يعرف بـ"الفن الخام"، قبل أن يصبح فنانا معروفا على الصعيد العالمي، وهي عبارة أطلقها بنفسه في نهاية النصف الأول من القرن العشرين لوصف أعمال فنية مميزة أنجزها هامشيون لا يعرضون نتاجهم في الغاليريهات والمتاحف لكنهم يعبرون عن أنفسهم بعفوية وصدق بلغة بصرية متينة خارج التصنيفات السائدة ونظريات نقاد الفن وأنظمة معاهد الفنون. اهتم دوبوفيه بكل أشكال التعبير الفني غير المألوفة ومنها رسوم الأطفال والأشخاص المعذبين والمقيمين في المصحات العقلية والسجون التي اطلع عليها في فرنسا وسويسرا. رأى أن نتاج هؤلاء هو دعوة غير مباشرة للتحرر من قواعد الثقافة الرسمية التي تربى عليها الفنانون الأوروبيون طوال القرون الماضية.

يبين المعرض الباريسي الجديد كيف حقق دوبوفيه نظرياته الخاصة وتأملاته في نتاجه الشخصي كفنان، مستندا الى رؤية مغايرة تجلت في لوحاته ومنحوتاته، ومنها النصب المعروفة في الأماكن العامة، وفي اعتماده على مواد غير مألوفة مثل الرمل والزجاج والإسمنت وعلى ألوان كان يصنعها بنفسه.
لم يأت الى الفن في سن مبكرة، أقام أول معرض قيم له بعدما تجاوز الأربعين من عمره. ومع تحقيقه للنجاح كصوت متمرد يغني خارج السرب، توالت المعارض الشخصية التي كرسته كفنان رائد وأصبح معروفا من قبل النقاد، حتى أنه مثل فرنسا في بينالي البندقية عام 1984.

تعكس الأعمال المعروضة اليوم قوة الفنان في تجديد لغته البصرية على الرغم من تقدمه في السن وضعفه الجسدي. تطالعنا شخصياته الصغيرة المحدقة في الفراغ والمشحونة بالقلق في رؤية تتسم بالغرائبية والرمزية، معتمدة على الألوان الحادة لمنحها أبعادا تعبيرية ودلالات جديدة. وكان الفنان قد أطلق على هذه الشخصيات الصغيرة اسم "الدمى البشرية"، وهي تظهر وسط خطوط معقدة يرسمها بالقلم أو الريشة وأحيانا بالحبر الجاف. في أعمال أخرى تطغى الألوان الفاقعة ليعبر من خلالها عن العالم المعاصر ومتاهاته.
تميزت السنوات الأخيرة في حياة الفنان بغزارة الإنتاج والجرأة في الممارسة الفنية لتؤكد من جديد موقعه الخاص في مسيرة الفن الحديث في النصف الثاني من القرن العشرين. ما يمنح قيمة إضافية للمعرض، إقامته في المؤسسة التي تحمل اسمه والمكرسة للتعريف بنتاجه منذ بداياته حتى وفاته. تتوزع على أربعة طوابق في مبنى تاريخي جميل مع حديقة نعبر منها الى الداخل الذي أُعيد تصميمه وتوزيعه ليكون بمثابة متحف للفنان المعروف بتنوع نشاطاته الموزعة بين الرسم والنحت والعمارة.

نكتشف رحلات دوبوفيه الى الصحراء الجزائرية ما بين عام 1947 و1949 وشكلت محطة حاسمة في مسيرته الفنية. سعى الفنان طوال حياته الى الإمساك بأسرار عالم الصحراء المجهول حيث طالعته مشاهد البدو بعمائمهم ورعاة الماعز في موازاة الطيور والجمال والعقارب والآثار على الرمال، وهي تجلت له بأبهى صورة في حياة قبائل الطوارق.

في موازاة الفنون البصرية اهتم بالموسيقى وقام في مطلع الستينات من القرن الماضي بتجارب موسيقية مع الفنان الدانماركي أسجر جورن معتمدا على آلات موسيقية قديمة وحديثة وتسجيلات صوتية صدرت في أسطوانة ضمت عشرين تسجيلا وأُعيد إصدارها عام 1991. عمل على إنجاز ديكورات لعدد من العروض المسرحية منها عرض "كوكو بازار" عام 1973 في متحف "غوغنهايم" في نيويورك وأعاد متحف الفنون الزخرفية في باريس تقديمه عام 2013.