1.5 مليار شخص هدف البنك الدولي: معركة اقتصادية من أجل صحة أفضل أم إعادة إنتاج للمديونية؟

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

سارة أبو حمدان



الرعاية الصحية ليست مجرد خدمة اجتماعية تتحمل الحكومات تكلفتها، بل تمثل استثماراً استراتيجياً في رأس المال البشري ومحركاً رئيساً للنمو الاقتصادي. فالدول التي تمتلك أنظمة صحية قوية لا تحسن جودة حياة مواطنيها فحسب، بل ترفع إنتاجية القوى العاملة، وتخفض الخسائر الاقتصادية الناتجة عن الأمراض، وتعزز قدرتها التنافسية. ومن هذا المنطلق، وضعت مجموعة البنك الدولي هدفاً عالمياً يتمثل في تمكين 1.5 مليار شخص من الحصول على خدمات صحية عالية الجودة وبأسعار ميسّرة بحلول عام 2030، في واحدة من أكبر المبادرات المرتبطة بالتنمية البشرية والاقتصادية خلال العقد الحالي.

 

الصحة العالمية.. فاتورة اقتصادية تكلف المليارات

 

يأتي هذا الهدف في ظل تحديات اقتصادية كبيرة تواجه الأنظمة الصحية حول العالم؛ إذ يفرض ارتفاع تكاليف العلاج، وتزايد انتشار الأمراض المزمنة، وتسارع شيخوخة السكان ضغوطاً متصاعدة على الميزانيات الوطنية. وتكشف تقديرات منظمة الصحة العالمية أن الإنفاق الصحي العالمي تجاوز تسعة تريليونات دولار سنوياً، وهو ما يعادل نحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ليصبح القطاع الصحي أحد أضخم القطاعات الاقتصادية على مستوى العالم. غير أن المعضلة الأساسية لا تتوقف عند حجم الإنفاق، بل تتعداها إلى قدرة الدول على توجيه هذه الموارد بفاعلية تضمن وصولها إلى المواطنين، لا سيما في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل.

لا يقتصر أثر الأمراض على الصحة الجسدية للأفراد، بل يتعداه إلى خسائر اقتصادية مباشرة تنجم عن انخفاض الإنتاجية وزيادة معدلات الغياب عن العمل وارتفاع تكاليف العلاج. وتشير التقديرات الاقتصادية إلى أن الأمراض غير المعدية، مثل أمراض القلب والسكري والسرطان، قد تسبب خسائر اقتصادية عالمية تتجاوز 30 تريليون دولار بحلول عام 2030. وبناءً على ذلك، فإن الاستثمار في الوقاية والكشف المبكر لا يُصنَّف كإنفاق إضافي، بل كأداة مالية لتجنب خسائر اقتصادية أشد جسامة في المستقبل.

 

1.5 مليار مستفيد.. أبعاد الأرقام في الميزان الاقتصادي.

 

يحمل هدف البنك الدولي بالوصول إلى 1.5 مليار شخص دلالات اقتصادية واسعة؛ فهو يسهم في زيادة القدرة الإنتاجية لملايين العمال، ويقلل الأعباء المالية المباشرة عن كاهل الأسر، كما يعزز مشاركة النساء في سوق العمل بفضل تحسين وصولهن إلى الخدمات الصحية. إلى جانب ذلك، يدفع هذا الهدف عجلة النمو في قطاعات مرتبطة كالصناعات الدوائية، والتكنولوجيا الطبية، والتأمين الصحي. فالاستثمار الصحي يحقق عوائد مضاعفة من خلال رفع الكفاءة الإنتاجية وتقليص الإنفاق العلاجي مستقبلاً.

 

 

الرعاية الصحية.. سوق استثماري متنامٍ

 

لم تعد الصحة قطاعاً يعتمد حصراً على التمويل الحكومي، بل تحولت إلى ساحة كبرى للاستثمار الخاص والابتكار التكنولوجي. وتشهد مجالات الذكاء الاصطناعي الطبي، والأجهزة والمستلزمات الطبية، والصحة الرقمية، والتطبيب عن بعد نمواً متسارعاً مع دخول كبرى شركات التكنولوجيا. وتتجه التوقعات العالمية نحو تجاوز حجم سوق الصحة الرقمية حاجز 500 مليار دولار خلال السنوات المقبلة، مدفوعاً بالاعتماد المتزايد على تحليل البيانات والمنصات الرقمية.

 

السفيرة ليندا توماس غرينفيلد خلال زيارتها للمعبر الحدودي السوري التركي في أوائل يونيو/حزيران ( أ ف ب)

 


 

"المواثيق الصحية الوطنية": تحول تنموي أم إعادة تدوير للديون؟

 

أمام تحديات التمويل وتفاقم الديون العامة وضغوط التضخم في الدول النامية، تطرح مجموعة البنك الدولي نموذج "المواثيق الصحية الوطنية" كصياغة جديدة لإصلاح القطاع، تقوم على توحيد جهود الحكومات والمانحين ومؤسسات التمويل الدولية والقطاع الخاص ضمن خطة وطنية خماسية.

ورغم أن هذا النموذج يبدو أكثر تنسيقاً للحد من تشتت التمويل، فإن الخبير الاقتصادي محمد موسى يرى أن السؤال الجوهري الحقيقي هو مدى نجاح هذه المواثيق في بناء أنظمة صحية مستدامة، أم أنها ستعيد إنتاج نموذج المديونية والاعتماد على قروض مشروطة.

ويوضح موسى أنه من منظور الاقتصاد الكلي، لا تتحقق الاستدامة المالية لمجرد تنظيم دمج أموال المانحين في الموازنات؛ فالدول لا تصبح أكثر استدامة لأن التمويل أصبح أكثر ترتيباً، بل حين يمتلك اقتصادها القدرة على التمويل الذاتي. وإذا جاءت هذه الموارد في معظمها على شكل قروض أو تسهيلات، فإن النتيجة ستكون ببساطة انتقال الدين من مشروع منفصل ليصبح بنداً دائماً في المالية العامة.

ويستشهد موسى بالتجربة التاريخية لبرامج الإصلاح الهيكلي التي رعاها البنك الدولي وصندوق النقد منذ الثمانينيات في أفريقيا وأميركا اللاتينية وبعض الدول العربية، والتي انتهت بالعديد من الدول إلى مستويات دين أعلى دون تحسن ملموس في الخدمات العامة، لأن النمو الاقتصادي لم يكن كافياً لتوليد الإيرادات اللازمة لخدمة الديون. ويضيف أنه في ظل تجاوز الدين العالمي حاجز 320 تريليون دولار، وتخصيص الدول النامية حصة متزايدة من إيراداتها لسداد الفوائد، فإن نجاح أي برنامج جديد يجب أن يُقاس بقدرته الفعلية على كسر حلقة المديونية لا تعميقها.

 

الرعاية الأولية: تحويل النفقات إلى استثمار مباشر

 

يحمل خطاب البنك الدولي تحولاً فكرياً نحو التعاطي مع الرعاية الصحية الأولية كاستثمار اقتصادي لا مجرد تكلفة اجتماعية. وأكد الخبير محمد موسى أن هذا الطرح يستند إلى منطق اقتصادي سليم، كون العامل السليم أكثر إنتاجية وأقل غياباً، فضلاً عن أن الاستثمار في الرقمنة والقطاع الدوائي يخلق فرص عمل ويحرك عجلة الاقتصاد.

ولكنه يشدد في الوقت نفسه على أن العبرة تكمن في آلية التنفيذ؛ فإذا استمرت الأنظمة الصحية في الاتكال على التمويل الخارجي لتغطية نفقاتها التشغيلية، فإن العائد الاقتصادي لن يكون كافياً لتعويض أعباء الدين. أما إذا نجحت الإصلاحات في رفع الإنتاجية، وتوسيع القاعدة الضريبية، وتقليص الهدر، وتنشيط القطاعات الحقيقية، فإن الصحة تتحول حينها إلى استثمار مباشر في رأس المال البشري ينعكس نمواً حقيقياً في الناتج المحلي الإجمالي.

الخصخصة وضوابط الرقابة الحكومية

تثير مشاركة القطاع الخاص ومؤسسات التمويل في هذه الاتفاقيات مخاوف متزايدة؛ فالقطاع الخاص، رغم قدرته على إدخال التكنولوجيا وتحسين الكفاءة، محكوم بطبيعته ببديهية الربحية. ويحذر محمد موسى من أن غياب الدولة المنظمة يجعل من ارتفاع الأسعار، واحتكار الخدمات، وتوسع الفجوة بين القادرين وغير القادرين على الدفع، سيناريوات واقعية ومجربة.

وأشار موسى إلى تجارب دولية أدت فيها الخصخصة المفرطة إلى ارتفاع تكاليف العلاج، ما اضطر الحكومات لاحقاً للتدخل عبر دعم الأسعار وتوسيع التأمين لتدارك الخلل. ومن هنا، لا يُقاس نجاح الشراكة بحجم الاستثمارات المنجذبة، بل بقدرة الدولة على فرض دورها كمنظم للسوق من خلال وضع سقوف صريحة للأسعار، وفرض معايير الجودة، ومنع الممارسات الاحتكارية، وضمان التغطية العادلة للخدمات الأساسية لكافة المواطنين بغض النظر عن مستويات دخلهم.

 

العبرة بالنتائج لا بالشعارات

 

يمثل هدف البنك الدولي للوصول إلى 1.5 مليار شخص رهاناً على أن تحسين صحة الإنسان يمكن أن يكون أحد المحركات الرئيسة للنمو المستقبلي. غير أن التاريخ الاقتصادي يؤكد أن العبرة لا تكمن في الشعارات المعلنة أو بأرقام التمويل المخصص، بل بما تحققه النتائج على الأرض بعد سنوات.

ويبقى التحدي الحقيقي أمام الدول النامية هو مدى قدرة هذه المواثيق على إرساء نموذج تنموي يجعل الصحة ركيزة للنمو والاعتماد على الذات، أم أنها ستنضم إلى قائمة البرامج التي حسّنت المؤشرات على الورق وتركت الموازنات تئن تحت أعباء الديون وتراجع التمويل الذاتي.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية