هل ستواجه سوني مصير أتاري عام 1983؟ | ج 2

هل تشتم تلك الرائحة؟ إنها ليست مجرد رائحة غبار متراكم في زاوية الغرفة، بل هي رائحة طفولتنا. رائحة البلاستيك الساخن المنبعث من محول طاقة أسود ضخم، ملقى على سجادة الغرفة العربية الدافئة. هل تذكر ذلك الوميض الأزرق الباهت الذي كان يخرج من تلفاز “الكاثود” (CRT) الثقيل قبل أن تظهر على الشاشة خطوط ملونة بسيطة؟

نعم، إنه جهاز أتاري 2600 (Atari 2600). تلك القطعة الخشبية السوداء التي كانت بمثابة بوابة السحر لجيل الثمانينيات والتسعينيات في عالمنا العربي. كنا نتحلق حولها، نمسك بـ “عصا التحكم” (Joystick) ذات الزر الأحمر الوحيد وكأننا نمسك بزمام الكون، نتبادل الأدوار بصرخات حماسية، وندافع عن نقاطنا في لعبة Space Invaders أو نهرب من الأشباح في Pac-Man.

في ذلك الوقت، كان اسم “أتاري” مرادفاً لكلمة “ألعاب فيديو”. لم نكن نقول “سنلعب ألعاب فيديو”، بل كنا نقول “تعالوا نلعب أتاري”. كانت هذه الشركة هي الإمبراطور المطلق الذي لا يجرؤ أحد على الحلم بمنافسته. ولكن، في ليلة وضحاها، اختفى كل شيء. انهار العرش، وتناثرت الأشلاء، ودُفنت الملايين من أشرطة الألعاب في صحراء نيومكسيكو.

اليوم، ونحن في منتصف العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، يتربع عملاق آخر على العرش: سوني بلايستيشن (Sony PlayStation). بالنسبة للجيل الحالي، سوني هي الأكسجين الذي يتنفسونه، هي قصص The Last of Us، وملاحم God of War، وجولات التحدي في EA Sports FC. ولكن خلف هذه الهالة البراقة، بدأت تظهر شروخ مألوفة جداً لمن عاصروا الماضي. أصوات التذمر تتعالى، أسعار الأجهزة ترتفع بشكل فلكي (كما رأينا مع جهاز PS5 Pro)، والقرارات الإدارية تبدو منفصلة تماماً عن رغبات اللاعبين.

فهل يعيد التاريخ نفسه؟ هل يمكن أن تواجه سوني مصير أتاري المأساوي عام 1983؟ دعونا نعود بالزمن إلى الوراء لنفهم كيف يقتل الطمع أسياده، وكيف يمكن لانعدام المنافسة أن يحول الذهب إلى تراب.

  • بإمكانكم قراءة الجزء الأول من هنا..
  • بإمكانكم قراءة الجزء الثاني من هنا..
  • بإمكانكم قراءة الجزء الثالث من هنا..

الفصل الثالث: سوني على العرش… هل تسير في نفس الطريق المظلم؟

لنقفز الآن بالزمن إلى الحاضر. سوني بلايستيشن هي الملك غير المتوج. بعد سقوط أتاري، أنقذت نينتندو الصناعة بجهاز NES، ثم دخلت سوني عام 1994 بجهاز PlayStation 1 لتعيد تعريف المفهوم وتجعل الألعاب جزءاً من الثقافة الشعبية للشباب والبالغين.

على مدار أجيال (PS1, PS2, PS3, PS4, PS5)، بنت سوني علاقة حب وثقة مع اللاعبين العرب والعالميين. شعار “من أجل اللاعبين” (For The Players) كان يتردد في كل مكان. ولكن مؤخراً، بدأت تظهر إشارات تثير القلق والارتياب النفسي لدى عشاق هذه المنصة:

1. اختفاء المنافس الشرس (متلازمة ما بعد الغرور)

في السنوات الأخيرة، بدأت مايكروسوفت (Xbox) بتغيير استراتيجيتها، حيث تخلت نوعاً ما عن المنافسة التقليدية في بيع الأجهزة، وركزت على خدمة الاشتراك (Game Pass) ونشر ألعابها على المنصات الأخرى بما فيها البلايستيشن نفسه. نينتندو، من جهتها، تغرد في سربها الخاص بجهاز السويتش العائلي.

هذا يعني أن سوني باتت تشعر بأنها دون منافس حقيقي في سوق الكونسول التقليدي عالي الأداء. وعندما يغيب المنافس، يبدأ وحش الطمع بالاستيقاظ من سباته.

2. تسعير صادم وقرارات متعجرفة

أكبر دليل على هذا التراخي والغرور كان الإعلان عن جهاز PS5 Pro بسعر 700 دولار أمريكي (وقد يصل في أسواقنا العربية إلى ما يقارب 3500 إلى 4000 ريال/درهم بسبب الضرائب والشحن)، والأسوأ من ذلك أن الجهاز يأتي بدون محرك أقراص (Disk Drive) وبدون حامل عمودي (Vertical Stand)!

هذه الخطوة تذكرنا تماماً بقرار أتاري عندما ظنت أن اللاعبين سيدفعون أي مبلغ مقابل اسمها فقط. سوني اليوم تختبر حدود صبر وولاء عشاقها.

3. فقر في الابتكار والاعتماد على الـ Remasters والـ Remakes

بدلاً من الاستثمار في عناوين جديدة ومبتكرة، نرى سوني تركز بشكل مفرط على إعادة إصدار (Remaster/Remake) لألعاب لم يمر على صدورها سوى سنوات قليلة (مثل The Last of Us Part II Remastered و Horizon Zero Dawn Remastered). هذا يعكس خوفاً من المخاطرة ورغبة في جني الأموال السهلة بأقل مجهود ممكن؛ وهو بالضبط ما فعلته أتاري في أيامها الأخيرة عندما توقفت عن الإبداع وركزت على تكرار الصيغ الناجحة حتى ملّ الجمهور.

4. فاجعة ألعاب الخدمات الحية (Live Service Games)

اندفعت سوني بجشع نحو ألعاب الخدمات الحية طمعاً في أرباح مستمرة مثل Fortnite. والنتيجة؟ كارثة لعبة Concord التي كلفت الشركة ما يقارب 400 مليون دولار واستغرق تطويرها 8 سنوات، ليتم إغلاق خوادمها وسحبها من الأسواق بعد أسبوعين فقط من إطلاقها بسبب عدم اهتمام اللاعبين بها! هذه الحادثة هي النسخة المعاصرة من كارثة لعبة E.T. لأتاري؛ ركض أعمى خلف الموضة السائدة دون فهم لمتطلبات اللاعب الحقيقي.

مقارنة سريعة: تشابه العقول والقرارات بين الأمس واليوم

وجه المقارنة

أتاري (Atari) – قبيل عام 1983

سوني (Sony PlayStation) – حالياً

حالة المنافسة غياب المنافس الشرس (سيطرة شبه مطلقة على السوق). تراجع إكس بوكس التقليدي، مما جعل سوني تنفرد بالصدارة. جودة الألعاب إغراق السوق بألعاب ضعيفة ومستعجلة (E.T., Pac-Man). تركيز على ألعاب الخدمة الحية الفاشلة (Concord) والتكرار (Remasters). النظرة للاعبين معاملة اللاعبين كمستهلكين مضمونين سيشترون أي شيء. رفع أسعار الأجهزة (PS5 Pro)، الألعاب ($70)، والإكسسوارات بشكل مبالغ فيه. القيادة الإدارية تحول الإدارة من المبتكرين إلى “رجال البدلات” الباحثين عن الأرباح فقط. سيطرة التوجهات المالية الصارمة وخروج بعض القادة التاريخيين للشغف.

يتبع..

اقرأ المقال كاملاً على سعودي جيمر