هل أصبح الريميك هو مستقبل Assassin’s Creed؟ (ج2)
على مدار ما يقرب من عشرين عاما، اعتادت Ubisoft أن تنظر إلى Assassin’s Creed باعتبارها سلسلة تتقدم دائما إلى الأمام. مع كل جيل جديد من الأجهزة كانت تظهر مدينة جديدة، وبطل جديد، وفترة تاريخية مختلفة، بينما تظل الأجزاء السابقة حبيسة الماضي، باستثناء بعض النسخ المحسنة التي رفعت دقة العرض أو حسنت الأداء دون أن تمس جوهر التجربة. لكن مشروع ريميك Assassin’s Creed IV: Black Flag، الذي تشير إليه التسريبات المتزايدة خلال العامين الماضيين، يبدو مختلفا عن كل ما سبق.
لا تعيد Ubisoft إصدار لعبة ناجحة فحسب، بل تعيد فتح باب كانت تتجنبه لسنوات: إعادة بناء تاريخ Assassin’s Creed نفسه. وهنا تكمن أهمية المشروع. فالقيمة الحقيقية لا تكمن في عودة مغامرة إدوارد كينواي، بل في السؤال الذي يفرض نفسه تلقائيا: هل يمثل Black Flag أول خطوة في استراتيجية طويلة الأمد، تماما كما فعلت Capcom عندما أعادت تعريف Resident Evil عبر سلسلة من الريميكات الناجحة؟
هذا السؤال لا يتعلق بلعبة واحدة، بل بمستقبل واحدة من أكبر العلامات التجارية في صناعة الألعاب. لأن Ubisoft اليوم ليست الشركة نفسها التي أطلقت Black Flag عام 2013، كما أن سوق الألعاب لم يعد يقبل المخاطرات بالطريقة التي كان يفعلها قبل عقد من الزمن.
ليست كل ألعاب Assassin’s Creed تحتاج إلى ريميك، لكن بعضها يحتاج إلى فرصة جديدة
إذا افترضنا أن ريميك Black Flag يحقق النجاح الذي تأمله Ubisoft، فإن السؤال التالي لن يكون “ما اللعبة التالية؟”، بل “كيف ستختار Ubisoft اللعبة التالية؟”. فالقرار لن يعتمد على الشعبية وحدها، ولا على ترتيب صدور الأجزاء، بل على مزيج من العوامل التجارية والتقنية والإبداعية.
فبعض ألعاب السلسلة ما زالت تبدو حديثة حتى اليوم، بينما تحمل ألعاب أخرى أفكارا رائعة دفنتها القيود التقنية أو قرارات التصميم في وقت إصدارها. ومن هنا، يمكن تقسيم المرشحين للريميك إلى ثلاث فئات مختلفة، لكل منها مبرراتها الخاصة.
Assassin’s Creed… اللعبة التي تحتاج إلى إعادة تصور أكثر من إعادة إنتاج

قد يبدو من الطبيعي أن يكون الجزء الأول هو المرشح الأبرز بعد Black Flag، لكن السبب لا يعود إلى كونه بداية السلسلة فحسب، بل لأنه أكثر ألعاب Assassin’s Creed التي تكشف الفجوة بين الفكرة والتنفيذ.
عندما صدرت اللعبة عام 2007، كانت ثورية بكل المقاييس. مفهوم التنقل الحر فوق أسطح المدن، والتخفي بين الحشود، وتنفيذ الاغتيالات في بيئات مفتوحة، قدم رؤية مختلفة تماما عن ألعاب الأكشن في ذلك الوقت. لكن المشكلة أن التكنولوجيا، وخبرة Ubisoft في تصميم العوالم المفتوحة، لم تكونا ناضجتين بما يكفي لتحقيق تلك الرؤية بالكامل.
ولهذا السبب، يشعر اللاعب اليوم أن اللعبة تدور في حلقة متكررة. فكل مدينة تتبع الهيكل نفسه، وكل عملية اغتيال تسبقها مجموعة متشابهة من المهمات الاستطلاعية، بينما يفتقر القتال إلى التنوع، ويعتمد الذكاء الاصطناعي على أنماط يسهل استغلالها.
لكن هذه المشكلات ليست سببا لإهمال اللعبة، بل على العكس، هي السبب الذي يجعلها أكثر أجزاء السلسلة استحقاقا لريميك حقيقي.
تخيل لو أعادت Ubisoft تصميم كل عملية اغتيال باعتبارها مهمة متعددة المسارات، تمنح اللاعب حرية جمع المعلومات بطرق مختلفة، واستغلال البيئة، والتسلل، وصناعة الفرص بدلا من اتباع خطوات ثابتة. تخيل مدنا أكثر حيوية، وسكانا يتفاعلون مع أفعال اللاعب، وحراس يستخدمون أساليب بحث أكثر تطورا، مع نظام باركور يعتمد على الدقة والمهارة بدلا من التوجيه شبه التلقائي.
حينها لن يكون الريميك مجرد وسيلة لإحياء لعبة قديمة، بل فرصة لتحقيق الرؤية التي حاول الجزء الأول تقديمها قبل نحو عشرين عاما، لكن التكنولوجيا لم تساعده على الوصول إليها.
ولهذا، قد يكون ريميك Assassin’s Creed الأصلي المشروع الأكثر أهمية في تاريخ السلسلة، لأنه لا يعيد تقديم لعبة ناجحة، بل يعيد صياغة الأساس الذي بنيت عليه السلسلة كلها.
ثلاثية Ezio… المشروع الذي يحمل أكبر فرصة وأكبر مخاطرة

إذا كان الجزء الأول يحتاج إلى إعادة ابتكار، فإن ثلاثية Ezio تواجه معضلة مختلفة تماما. فهذه الألعاب ليست محبوبة فقط، بل أصبحت معيارا يقيس به كثير من اللاعبين جودة أي بطل جديد في السلسلة. شخصية Ezio Auditore، ورحلته الممتدة من شاب متهور في فلورنسا إلى معلم للأساسنز، ما زالت بالنسبة للكثيرين القلب الحقيقي لـ Assassin’s Creed.
وهنا تكمن المشكلة. كلما ارتفعت قيمة اللعبة في ذاكرة الجمهور، أصبح تغييرها أكثر خطورة.، حيث نجحت Capcom في إعادة تصميم Resident Evil 2 وResident Evil 4 لأن النسخ الأصلية، رغم مكانتها، كانت تعاني من قيود واضحة فرضها عمرها وتقنياتها. أما ثلاثية Ezio، فما زالت قابلة للعب حتى اليوم، كما أن تصميمها السردي لا يزال متماسكا بصورة لافتة.
لذلك فإن مجرد تحسين الرسوم لن يكون كافيا لتبرير ريميك كامل، وفي المقابل فإن إعادة تصميم أنظمة الحركة أو القتال بصورة جذرية قد تثير غضب الجمهور الذي يرى في هذه الألعاب جزءا من هويته مع السلسلة.
ولهذا، فإن التحدي الحقيقي أمام Ubisoft لن يكون تقنيا، بل فلسفيا. هل تحافظ على نظام القتال القديم رغم بساطته؟ أم تستبدله بآخر أكثر عمقا؟ هل تعيد تصميم الباركور ليصبح أقرب إلى Unity؟ أم تحافظ على أسلوب الحركة السريع الذي ميز ألعاب Ezio؟ هل توسع المدن وتضيف نشاطات جديدة؟ أم تلتزم بالتصميم الأصلي؟ كل قرار من هذه القرارات سيغير طريقة استقبال اللاعبين للريميك.
وربما لهذا السبب تحديدا، قد تؤجل Ubisoft هذا المشروع إلى مرحلة لاحقة، بعد أن تكتسب خبرة كافية من إعادة إنتاج ألعاب أقل حساسية لدى الجمهور.
Unity اللعبة التي لم تفشل أفكارها… بل فشل توقيت إصدارها

إذا كان هناك جزء واحد يستحق إعادة التقييم بعيدا عن الانطباعات الأولى، فهو بلا شك Assassin’s Creed Unity. لفترة طويلة ارتبط اسم اللعبة بالإطلاق الكارثي الذي امتلأ بالمشكلات التقنية والأخطاء البصرية، حتى أصبحت تلك الصور الساخرة جزءا من تاريخ الصناعة. لكن هذا الإرث السلبي أخفى حقيقة مهمة، وهي أن Unity ربما كانت أكثر ألعاب Assassin’s Creed طموحا من الناحية التقنية والتصميمية.
حتى اليوم، لا يزال كثير من اللاعبين يرون أن نظام الباركور في Unity هو الأكثر دقة وسلاسة في السلسلة. لم يكن يعتمد فقط على الضغط المستمر للأمام، بل منح اللاعب سيطرة أكبر على الصعود والهبوط، وجعل الحركة نفسها جزءا من المهارة، لا مجرد وسيلة للانتقال.
الأمر نفسه ينطبق على مدينة باريس، التي ما زالت تعد واحدة من أكثر البيئات كثافة وتفصيلا في تاريخ السلسلة. الأزقة الضيقة، والأسطح المتشابكة، والحشود الضخمة، كلها صنعت مدينة تبدو وكأنها صممت خصيصا للباركور والتخفي.
لكن المشكلة أن أجهزة 2014 لم تكن قادرة على استيعاب هذا الطموح بالكامل. فمعدل الإطارات غير المستقر، والمشكلات التقنية، وأخطاء الذكاء الاصطناعي، جعلت كثيرا من اللاعبين يغادرون اللعبة قبل أن يكتشفوا ما كانت تحاول تقديمه.
ولهذا، فإن ريميك Unity سيكون مختلفا عن أي مشروع آخر، لن يكون الهدف إعادة اختراع اللعبة، بل إزالة القيود التي منعتها من الوصول إلى مستواها الحقيقي، ومع قدرات الأجهزة الحالية، يمكن تحسين كثافة الحشود، وتطوير أنظمة الإضاءة، وإعادة بناء الذكاء الاصطناعي، وتوسيع خيارات التخفي، مع الحفاظ على الفلسفة الأصلية التي جعلت Unity مختلفة عن بقية أجزاء السلسلة.
وربما تكون هذه أكبر ميزة يمتلكها المشروع؛ فهو لا يحتاج إلى تغيير هويته حتى يشعر اللاعب بأنه يخوض تجربة جديدة، بل يحتاج فقط إلى أن تعمل أفكاره كما كان يفترض أن تعمل منذ البداية.