ألعاب تجبرك على لعب دور الشرير – الجزء الرابع
بعد ان استعرضنا ألعاب تجبرك على لعب دور الشرير الجزء الأول و الجزء الثاني و الجزء الثالث نستكمل القائمه في الجزء الرابع.
لعبة Rampage Total Destruction تقدم فوضى الوحوش القديمة من منظور الشرير الكامل
عندما تعود إلى Rampage Total Destruction فأنت لا تدخل تجربة تحاول إخفاء دورك الحقيقي أو تزيينه بأي مبررات بطولية معقدة. هذه واحدة من الألعاب التي تجعل فكرة لعب دور الشرير واضحة بصورة تكاد تكون فورية. ومن السهل اعتبار سلسلة Rampage من أقدم الأمثلة البارزة على هذا النوع في ألعاب الفيديو لأن فكرتها الأساسية لا تقوم على إنقاذ المدن ولا على حماية الناس ولا على مواجهة تهديد غامض يهدد العالم. بل تقوم ببساطة على أن تكون أنت نفسك الكارثة التي تهبط على المكان وتحوله إلى أنقاض.
تستند هذه الفكرة إلى جذور قديمة جدا في تاريخ الألعاب الآركيدية ولهذا تحمل Rampage سحرا خاصا مرتبطا بعصر كانت فيه الفكرة المباشرة والواضحة هي كل شيء. ففي Rampage World Tour الذي جاء بوصفه أول تكملة للعبة الأصلية وصدرت نسخته على أجهزة الآركيد ثم وصلت إلى منصات منزلية مثل N64 و PS1 يتقمص اللاعب دور واحد من ثلاثة وحوش عملاقة أو أربعة أحيانا بحسب النسخة أو ظروف اللعب. وهذه الكائنات ليست شخصيات مأساوية تحاول كسر لعنة أو أبطالا تعرضوا للخيانة ويبحثون عن العدالة. إنها وحوش kaiju ضخمة تمضي من مدينة إلى أخرى وتحطم كل ما تجده أمامها في طريقها بهدف الوصول إلى Scumlabs والقضاء عليها.
لكن حتى مع وجود هدف يتمثل في إسقاط Scumlabs فإن ذلك لا يمنح الشخصيات أي صبغة بطولية حقيقية. فالوصول إلى هذا الهدف يمر عبر تدمير المدن بالكامل وتحويل الأحياء والمباني إلى ركام. اللعبة لا تطلب منك التمييز بين هدف عسكري وموقع مدني ولا بين منشأة خطيرة ومكان عادي مليء بالناس. مهمتك الأساسية واضحة ومباشرة وهي أن تسقط كل مبنى في محيطك. وهذه البساطة بالتحديد هي ما يجعل موقعك الأخلاقي داخل اللعبة محسوبا بوضوح شديد. فأنت لا تواجه الشر من خلال قوة مدمرة بل تمارس الدمار نفسه بوصفه أسلوب اللعب الرئيسي والوحيد تقريبا.
ومن أكثر التفاصيل التي تجعل هذا الدور صريحا أن المباني التي تدمرها ليست أماكن مهجورة أو مدنا خالية من السكان. فاللعبة تظهر الناس وهم يهربون من هذه المباني في حالة ذعر قبل أن تسويها بالأرض. وهذا التفصيل رغم طابعه الكرتوني يرسخ الفكرة بوضوح شديد. فالدمار هنا لا يقع على فراغ ولا على أهداف رمزية فقط بل على أماكن مأهولة يفترض أنها تمثل حياة يومية عادية. ومع أن Rampage لا تقدم ذلك بنبرة مظلمة أو واقعية ثقيلة فإن المعنى يبقى ثابتا. أنت الكائن الذي ينشر الهلع ويحطم المدن ويجبر الناس على الفرار من أجل النجاة.
ومع ذلك فإن ما يمنح السلسلة خصوصيتها أنها لا تتعامل مع هذه الفكرة بجدية مأساوية خانقة بل في إطار مرح وفوضوي ومبالغ فيه. فهي ألعاب آركيدية خفيفة ومقصود بها أن تكون ممتعة وغريبة وسريعة الإيقاع. ولهذا لا ينبغي تحميلها ثقلا دراميا أكبر من نيتها الأصلية. فجوهرها يقوم على المتعة الفورية وعلى الصورة العبثية لوحش عملاق يتسلق المباني ويلتهم ما يجده ويواصل التحطيم بلا توقف. لكن هذا الأسلوب المرح لا يغير الحقيقة الأساسية التي تقوم عليها التجربة. فحتى لو كانت اللعبة كوميدية وخفيفة فإنك في النهاية تؤدي دور الشرير بلا أي التباس.
وهذا ما يجعل Rampage واحدة من السلاسل المهمة عند الحديث عن الألعاب التي تضع اللاعب في الجانب المظلم بصورة مباشرة. فهي لا تحتاج إلى منعطفات قصصية تكشف لاحقا أنك كنت مخطئا طوال الوقت ولا تعتمد على حبكة معقدة تجعلك تكتشف متأخرا أنك خدمت قوة شريرة. منذ اللحظة الأولى تعرف تماما ما الذي تفعله. أنت وحش ضخم يقتحم المدن ويدمرها مبنى بعد مبنى. هذا هو الدور كله وهذا هو جوهر المتعة التي تبني عليها اللعبة نفسها. ولهذا تبدو السلسلة صادقة جدا مع فكرتها لأنها لا تتظاهر بأن ما تقوم به بطولة ولا تحاول تغليفه بلغة أخلاقية مريحة.
ومن زاوية أخرى يمكن القول إن Rampage تمثل صورة مبكرة جدا لفكرة القوة المطلقة المنفلتة في ألعاب الفيديو. فاللاعب لا يعيش فيها تجربة المقاومة أو النجاة بل يعيش تجربة أن يكون هو التهديد الذي يعجز الآخرون عن إيقافه بسهولة. والمدينة كلها تتحول إلى ساحة لإظهار هذه الهيمنة الوحشية حيث تصبح المباني مجرد أهداف قابلة للسحق والناس مجرد خلفية لحالة الهلع العام. وهذا النوع من اللعب يختلف تماما عن النمط المعتاد الذي يضع اللاعب في موقع المدافع أو المنقذ لأن متعته نابعة من قلب المعادلة وجعل اللاعب نفسه مصدر الخطر الرئيسي.
Overlord تضعك في قلب السلطة الشريرة من دون أي تمويه
إذا حاولت تلخيص فكرة Overlord بأبسط صورة ممكنة فستبدو كأنها تجربة تشبه Pikmin لكن من منظور أكثر ظلاما وقسوة حيث لا تقود مخلوقات صغيرة من أجل الاستكشاف أو النجاة بل تقود جيشا من الغوبلن بصفتك حاكما شريرا يسعى إلى فرض إرادته بالقوة. ومنذ هذه الفكرة الأولى يتضح أن اللعبة لا تريد تقديمك في صورة بطل تقليدي ولا حتى في صورة شخصية رمادية تقف بين النور والظلام. بل تضعك مباشرة في موقع الحاكم المظلم الذي عاد إلى الحياة من أجل استعادة نفوذه والسير في طريق الانتقام والهيمنة.
تدور أحداث Overlord الصادرة في 2007 حول شخصية Overlord وهو محارب شرير قديم يجري إيقاظه من جديد وتكليفه بالقضاء على الأبطال السبعة الذين تمكنوا من قتل سلفه في الماضي. ومن هذه النقطة تحديدا تبني اللعبة منطقها الخاص. فأنت لا تنطلق في رحلة لحماية الأبرياء من تهديد متصاعد ولا من أجل إصلاح عالم محطم بل تنطلق لتعقب هؤلاء الأبطال واحدا تلو الآخر ثم إطلاق أتباعك عليهم حتى تسحقهم وتعيد تثبيت سلطة الشر من جديد. وحتى مجرد وصف خصومك بأنهم أبطال يمنح القصة دلالة واضحة جدا لأن موقعك في السرد لا يحتاج إلى تفسير إضافي. من يفترض أنه يواجه الأبطال عادة لا يكون هو المنقذ.
وتزداد هذه الصورة وضوحا من خلال تصميم الشخصية نفسها وطريقة تقديمها. فـ Overlord لا يبدو كشخصية يمكن بسهولة الخلط بينها وبين منقذ أو قائد نبيل. مظهره نفسه يعلن طبيعته منذ اللحظة الأولى إذ يرتدي درعا يذكر بصورة الطغاة المظلمين في الفانتازيا ويحيط نفسه برداء أحمر دموي يرسخ حضوره بوصفه قوة ترهيب وهيمنة لا بوصفه شخصية تحمل وعدا بالخلاص. وحتى على مستوى الإخراج البصري لا توجد محاولة فعلية لإخفاء طبيعتك أو جعل الشر مسألة قابلة للنقاش الطويل. اللعبة تقول لك بوضوح إنك تمثل هذا الجانب وتريد منك أن تستمتع بممارسة سلطته.
ومن أكثر ما يميز Overlord أن شرها لا يعتمد فقط على الشخصية الرئيسية بل على العلاقة التي تربطها بأتباعها. فأنت لا تقاتل وحدك بل تقود جيشا من المخلوقات التي تنفذ أوامرك وتندفع إلى المعارك وتخرب وتنهب وتقتل باسمك. وهذا يمنح التجربة إحساسا مختلفا لأنك لا تمارس العنف كفرد فقط بل كقوة منظمة تفرض نفسها على العالم من خلال التابعين والولاء والخوف. إنك لا تتحرك داخل القصة بوصفك شخصا ضائعا أو محاصرا بظروف قاهرة بل كحاكم يستعيد أدوات السيطرة ويعيد تشكيل محيطه بما يخدم مساره العدواني.
وقد تحاول اللعبة أحيانا أن تمنحك بعض الأفعال التي تبدو أقل قسوة مثل تحرير أسرى من Elves بعد قتل من كان يحتجزهم لكن هذه اللمسات تبقى محدودة جدا وصغيرة إلى حد لا يغير جوهر الصورة. فهي لا تحول الشخصية إلى بطل ولا تعيد تعريف رحلتها بوصفها سعيًا إلى العدالة أو الرحمة. كل ما في الأمر أنها تضيف لحظات جانبية يمكن أن تبدو أقل وحشية وسط مسار عام يقوم على الحرب والانتقام وإعادة فرض الحكم بالقوة. ولذلك فإن أي فعل يبدو رحيما يظل استثناء ضيقا داخل بنية كاملة هدفها ليس صناعة عالم هادئ أو كريم بل توسيع نفوذ Overlord وتثبيت حضوره بوصفه مركز القوة.
وهنا تظهر المقارنة المهمة مع ألعاب أخرى تسمح لك باتخاذ بعض الخيارات الأخف قسوة من دون أن تمنحك فعليا طريقا أخلاقيا نظيفا. ففي Overlord لا يوجد مشروع لإقامة عالم سعيد أو عادل ولا توجد رؤية حقيقية للسلام أو التعايش. أنت لا تصلح الخراب بل تمضي في درب الحرب. وحتى اللحظات التي قد تبدو أقل ظلاما لا تخرج عن هذا الإطار العام لأنها لا تلغي أن مسارك الأساسي مبني على المطاردة والإخضاع وتوسيع السلطة. وهذا ما يجعل اللعبة من أوضح الأمثلة على الأعمال التي لا تسمح لك فقط بأن تكون شريرا بل تتوقع منك أن تتقمص هذه الهوية بالكامل وتستمتع بما تمنحه من نفوذ.
والأمر لا يتوقف عند النهاية أيضا لأن حتى النهاية التي يمكن أن تبدو في ظاهرها أقرب إلى الخير لا تقدم خلاصا أخلاقيا حقيقيا. فالفكرة هناك لا تتمحور حول إصلاح العالم أو إنقاذ الآخرين بقدر ما تتمحور حول تحول Overlord نفسه إلى أشبه بالمخلص أو الشخصية المرفوعة إلى مقام أعلى. أي أن المركز يظل ثابتا على الشخصية وعلى مجدها وعلى موقعها داخل العالم لا على الخير الذي يمكن أن يصل إلى الآخرين. وهذا يكشف بوضوح أن أي تحسن قد يمس غيرك يبقى مسألة ثانوية في بنية اللعبة لأن المحور الحقيقي دائما هو سلطة Overlord وصعوده واستمراره.
ولهذا تبدو Overlord لعبة تدور بالكامل حول احتضان دور الشرير لا مجرد الاقتراب منه. فهي تمنحك هيئة الشر ولغته وأدواته وأتباعه ومساره وتتركك تتحرك داخل عالم لا تسعى فيه إلى إنقاذ الأبطال بل إلى إسقاطهم واحدا بعد آخر. وحتى عندما تسمح ببعض الأفعال الأقل قسوة فإنها لا تستخدمها لإعادة تشكيل الصورة أو لتقديمك في هيئة منقذ ملتبس بل تبقيها مجرد تفصيل صغير داخل رحلة أكبر عنوانها القوة والانتقام والهيمنة.