ألعاب تجبرك على لعب دور الشرير – الجزء الأول

قدمت ألعاب RPG للاعبين منذ وقت طويل فرصة السير في الطريق المظلم واختيار الجانب الشرير إذا أرادوا ذلك. وكان كثير من اللاعبين يقيمون جودة اللعبة أحيانا بناء على مدى قوة هذا المسار ومدى إقناع الكتابة فيه ومدى تأثيره الحقيقي في الأحداث. ومع ذلك ظلت الفكرة في أغلب هذه الألعاب قائمة على الاختيار. إذ تستطيع أن تكون بطلا صالحا أو شخصية شريرة بحسب القرارات التي تتخذها أثناء الحوارات وبحسب الاتجاه الذي تقود إليه الأحداث خلال رحلتك داخل اللعبة.

لكن الأمر لا يسير بهذه الصورة في الألعاب التالية. فهذه المرة لا تترك لك اللعبة مساحة لتحديد هويتك الأخلاقية أو رسم صورتك كما تريد. سواء أعجبك ذلك أم لا فإنك تجد نفسك مضطرا إلى لعب دور الشرير داخل القصة. وقد لا تدرك منذ البداية أنك الطرف الأسوأ في الحكاية. وقد تظن أنك تقوم بما يجب فعله من أجل منع تهديد أكبر أو كارثة أشد خطرا. ومع ذلك تبقى الحقيقة ثابتة في النهاية. وهي أن هذه الألعاب تدفعك دفعا إلى تبني أفعال قاسية ومواقف مظلمة وتضعك في مسار يجعل صورتك أقرب كثيرا إلى الخصم منها إلى البطل.

وما يمنح هذه الفكرة قوتها أن بعض هذه الألعاب لا تقدم الشر في صورة مباشرة أو سطحية. بل تبنيه تدريجيا وتجعلك تتورط فيه خطوة بعد خطوة حتى تكتشف أن ما تفعله لا يمكن وصفه بالبطولة مهما حاولت تبريره. وفي أحيان أخرى تكون اللعبة واضحة منذ اللحظة الأولى وتجعلك تمارس السلطة أو العنف أو التدمير من موقع لا يمكن اعتباره نبيلا أو عادلا. وهذا ما يجعل التجربة أكثر ثقلا من الناحية الدرامية لأن اللاعب لا يواجه الأعداء فقط بل يواجه أيضا حقيقة الدور الذي يؤديه داخل العالم.

وتزداد قوة هذا النوع من الألعاب لأنها تجبر اللاعب على إعادة التفكير في الصورة المعتادة للبطل داخل ألعاب الفيديو. فبدلا من إنقاذ العالم أو حماية الضعفاء أو إصلاح الخراب تصبح أنت مصدر الخطر أو سببا رئيسيا في تصاعد المأساة أو طرفا لا يمكن فصله عن الفساد والدمار الذي يدور حوله. ولهذا السبب تترك هذه القصص أثرا مختلفا لأنها تخرج عن القاعدة المألوفة وتضع اللاعب في موقع غير مريح نفسيا وأخلاقيا وتجبره على مواصلة الطريق رغم إدراكه أن ما يفعله لا يمكن الدفاع عنه بسهولة.

لعبة Shadow of the Colossus تدفعك إلى ارتكاب الخطأ منذ البداية

في بداية Shadow of the Colossus تبدو مهمة Wander وكأنها تحمل جانبا نبيلا ومؤثرا للغاية. فهو لا ينطلق بدافع الطمع ولا يسعى إلى سلطة ولا يبدو كمن يريد الخراب أو الدمار. بل يبدأ رحلته وهو مدفوع برغبة شخصية عميقة تتمثل في إعادة شخص يحبه إلى الحياة. ومن هذه الزاوية تبدو الحكاية في ظاهرها قريبة من قصص التضحية والإصرار التي تجعل اللاعب يتعاطف بسرعة مع البطل ويقتنع بأن ما يفعله يستحق العناء مهما كان الثمن. لكن هذا الإحساس لا يستمر طويلا لأن اللعبة تبدأ مبكرا جدا في إرسال إشارات واضحة توحي بأن ما يحدث ليس صحيحا وأن الطريق الذي يسير فيه Wander ليس طريقا بطوليا كما يبدو في اللحظة الأولى.

كل شيء يبدأ في التحول فعليا عند أول مواجهة مع أحد الـ colossi. فعلى الورق يفترض أن هؤلاء مجرد أهداف يجب إسقاطها من أجل التقدم في المهمة. لكن عند الدخول في المعركة ثم تنفيذ الضربة الأخيرة لا يظهر ذلك الشعور المعتاد بالإنجاز أو الراحة الذي تخلقه ألعاب الأكشن عادة بعد هزيمة خصم ضخم. بل على العكس تماما. تترك كل مواجهة إحساسا ثقيلا ومزعجا وكأن اللاعب لا ينتصر بقدر ما يعتدي على كائن لم يكن يبحث عن القتال أصلا. فهذه المخلوقات لا تقدم نفسها باعتبارها وحوشا متعطشة للدماء ولا تظهر كأنها تهدد العالم من حولها بشكل مباشر. إنها تبدو في كثير من اللحظات كائنات هادئة تعيش في عزلة داخل هذا العالم المقفر ولا تتحرك إلا عندما يقتحم Wander مجالها ويبدأ الهجوم عليها.

وهنا تكمن قوة اللعبة في بناء الشعور بالذنب بصورة تدريجية وذكية. فهي لا تصرخ في وجه اللاعب منذ البداية وتقول له إنه شرير. بل تجعله يكتشف ذلك ببطء من خلال التجربة نفسها. كل colossus يسقط لا يبدو وكأنه عقبة شريرة أزيلت من الطريق بل وكأنه جزء من نظام أقدم وأكثر غموضا يجري تدميره قطعة بعد أخرى. وهذا ما يجعل كل انتصار ظاهريا أقرب إلى خسارة أخلاقية حقيقية. فاللعبة تدفعك إلى الاستمرار لأنك تريد معرفة النهاية ولأنك تريد إنقاذ من جئت من أجلها. لكنها في الوقت نفسه لا تتوقف عن تذكيرك بأن هذا التقدم مبني على أفعال يصعب تبريرها إنسانيا.

ثم تأتي الحقيقة التي تعيد تفسير كل ما سبق وتمنح ذلك الإحساس المبكر بالخطأ معنى واضحا. فـ Dormin الذي أرسل Wander في هذه المهمة ليس كيانا خيرا كما قد يتخيل اللاعب في البداية بل هو كيان شرير جرى ختمه قبل قرون طويلة. أما الـ colossi الذين يقضي عليهم Wander فلم يكونوا مجرد وحوش متناثرة في الأرض بلا غاية بل كانوا جزءا أساسيا من الختم الذي يبقي Dormin مقيدا. وبمجرد التخلص منهم واحدا بعد الآخر يبدأ هذا الحاجز في الانهيار حتى يصبح إطلاق هذا الشر أمرا لا يمكن منعه. وبهذا تنقلب الرحلة كلها من قصة حب وتضحية إلى سلسلة أفعال ساعدت بشكل مباشر على تحرير قوة كان يجب أن تبقى مدفونة.

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد لأن الثمن الشخصي الذي يدفعه Wander يرسخ الفكرة أكثر. فعندما يتحرر Dormin لا يكتفي بالعودة فقط بل يستولي أيضا على جسد Wander نفسه. وهنا تتحول الشخصية التي دخلت القصة مدفوعة بالعاطفة إلى وعاء لقوة مظلمة كانت سبب كل ما جرى. صحيح أن Wander لم يكن يعرف الحقيقة الكاملة منذ البداية ولم يكن يدرك طبيعة المهمة التي قاد نفسه إليها. لكن اللعبة تلمح بوضوح إلى أن الإشارات كانت موجودة طوال الطريق. فالتغيرات التي تصيبه جسديا والمظاهر المظلمة التي تبدأ في الظهور عليه لم تكن أمورا عابرة بل دلائل متزايدة على أن الثمن الذي يدفعه أكبر بكثير من مجرد تعب رحلة أو آثار معارك متتالية.

ومن أكثر التفاصيل التي تجعل هذه القصة مؤلمة أن Wander ليس شريرا بالصورة التقليدية المعتادة. فهو لا يبدو كشخص يستمتع بالأذى ولا يتحرك بدافع القسوة المجردة. وهذا بالتحديد ما يجعل Shadow of the Colossus أكثر إزعاجا من كثير من الألعاب الأخرى. فاللعبة لا تقدم الشر هنا على أنه رغبة صريحة في التدمير بل على أنه نتيجة أفعال يظن صاحبها أنها مبررة أو ضرورية. وهذا النوع من السقوط الأخلاقي أكثر تأثيرا لأنه يضع اللاعب في مساحة رمادية ثم يكشف له لاحقا أنه تجاوز الخط منذ وقت مبكر جدا من دون أن يريد الاعتراف بذلك.

لعبة Prototype تجعلك تعيش داخل شخصية شريرة بكل معنى الكلمة

يحاول بعض اللاعبين وصف Alex Mercer بأنه مجرد بطل رمادي أو شخصية تقع بين الخير والشر لكن هذه القراءة تبدو مخففة جدا إذا نظرنا إلى ما يفعله فعلا طوال أحداث Prototype. فالأمر هنا لا يتعلق بشخص قاس أو بطل يستخدم وسائل عنيفة من أجل غاية أكبر فقط بل يتعلق بكائن يكاد يفقد صفته البشرية بالكامل. Alex ليس مجرد مقاتل قوي ولا ناجيا غاضبا يسعى للانتقام فحسب بل هو مخلوق متحول ينطلق في موجة هائلة من العنف والفوضى داخل New York City ويترك وراءه دمارا يجعل وصفه بالشرير أقرب بكثير إلى الحقيقة من أي وصف آخر أكثر تساهلا.

قد يحاول البعض تبرير أفعاله بالقول إنه يواجه طفرات مرعبة ويقاتل قوات عسكرية وشبه عسكرية تحتل المدينة وتمارس القمع والعنف بدورها وهذا صحيح من حيث الظاهر. لكنه لا يكفي أبدا لتحويله إلى شخصية بطولية أو حتى إلى شخصية يمكن الدفاع عنها أخلاقيا. فكونه يقتل خصوما مرعبين لا يلغي حقيقة أنه هو نفسه مرعب بالطريقة ذاتها وربما أكثر. فأسلوب بقائه واستمراره لا يقوم على الشجاعة أو التضحية أو الدفاع عن الأبرياء بل يقوم على التهام البشر أنفسهم واستخدامهم حرفيا كمصدر لاستعادة القوة والحياة. وهذه الفكرة وحدها تكفي لنسف أي محاولة لتقديمه على أنه شخص يسعى إلى الخير في العمق أو يحمل نوايا نقية مخفية تحت سطح العنف.

وما يجعل الصورة أكثر قتامة أن Prototype لا تقدم هذا الجانب بوصفه تفصيلا ثانويا أو سلوكا نادرا بل تجعله جزءا مركزيا من هوية الشخصية ومن طريقة اللعب نفسها. فالقوة التي يمتلكها Alex وقدرته على التحول والتكيف والبقاء لا تنفصل عن افتراسه للآخرين وامتصاصهم واستخدام أجسادهم كوسيلة مباشرة للاستمرار. وهنا تضع اللعبة اللاعب في موقع غير مريح لأنها لا تمنحه مجرد دور محارب خارق بل تدفعه إلى تبني منطق كائن مفترس يرى البشر أدوات وموارد أكثر مما يراهم أشخاصا لهم قيمة أو حياة مستقلة.

لكن الجانب الأكثر ثقلا في القصة لا يظهر فقط في أفعاله الحالية بل في الحقيقة التي تتكشف مع استعادة ذاكرته. ففي بداية Prototype لا يتذكر Alex Mercer من يكون ولا يفهم تماما ما الذي أوصله إلى هذه الحالة ولهذا يقضي اللعبة كلها تقريبا في محاولة تجميع ماضيه واستعادة هويته ومعرفة ما جرى له. وفي البداية قد يمنح هذا الغموض اللاعب مساحة للتعاطف معه لأن فقدان الذاكرة يجعل الشخصية تبدو ضائعة ومطاردة وربما ضحية لشيء أكبر منها. غير أن هذا التعاطف يبدأ في الانهيار تدريجيا كلما اقتربت الحقيقة من السطح.

وعندما تنكشف الصورة كاملة تصبح شخصية Alex أكثر رعبا مما كانت تبدو عليه في البداية. فهو لا يكتشف فقط من يكون بل يتذكر أيضا أنه شارك في صنع Blacklight virus نفسه وهو الوباء الذي اجتاح New York وتسبب في الكارثة الشاملة التي حولت المدينة إلى ساحة موت وانهيار ورعب. وهنا يتغير معنى كل ما حدث في القصة. فالأمر لم يعد يتعلق بكائن متحول ظهر وسط الفوضى ويحاول النجاة أو فهم نفسه بل بشخص كان جزءا من السبب الأصلي لهذه المأساة منذ البداية. وهذا يوسع دائرة ذنبه بشكل هائل لأن مسؤوليته لم تعد مقتصرة على الضحايا الذين قتلهم بيديه أو التهمهم في الشوارع أو أسقطهم في المعارك بل تمتد إلى كل الأرواح التي أزهقت بسبب التفشي نفسه.

في هذا السياق تصبح كل وفاة حدثت في New York أثناء الكارثة مرتبطة به بصورة أو بأخرى. ليس فقط لأنه تسبب مباشرة في كثير من أعمال القتل والتدمير خلال سير الأحداث بل لأنه ساهم في ولادة الكابوس كله من الأساس. وهذه النقطة تحديدا هي التي تجعل Prototype واحدة من أوضح الألعاب التي تضع اللاعب في دور الشرير من دون مواربة حقيقية. فاللعبة قد تمنحك خصوما أسوأ شكلا أو أكثر وحشية في بعض اللحظات لكنها لا تبرئ بطلك أبدا من كونه مصدرا رئيسيا للكارثة نفسها.

ومن قوة كتابة الشخصية أن شر Alex لا يأتي من جانب واحد فقط. فهو شرير بوصفه كائنا يقتل ويفترس ويدمر من أجل البقاء وبوصفه أيضا طرفا متورطا في الجذر العلمي والكارثي الذي أطلق هذا الخراب في المدينة. أي أن قسوته ليست مجرد نتيجة للظروف بل تمتد إلى ما قبل الانهيار نفسه. وهذا ما يجعل صورته أكثر قتامة من صورة كثير من الشخصيات التي يمكن وصفها بالأبطال المضادين لأن البطل المضاد عادة يظل محتفظا بحد أدنى من الخط الأخلاقي أو بهدف يمكن فهمه باعتباره دفاعا عن أحد أو مقاومة لشر أكبر. أما هنا فإن الخط الفاصل ينهار مرارا حتى يصبح من الصعب جدا رؤية Alex إلا بوصفه كارثة تمشي على قدمين.

اقرأ المقال كاملاً على سعودي جيمر