ألعاب Dark Fantasy تعد روائع متكاملة – الجزء الثاني
بعد ان استعرضنا ألعاب Dark Fantasy تعد روائع متكاملة الجزء الأول نستكمل القائمه في الجزء الثاني.
Hollow Knight رحلة هابطة إلى الأعماق في عالم يفيض بالغموض والحزن
تتبنى Hollow Knight أسلوبا هادئا وأكثر كآبة في طريقة تصميمها وهو ما يمنحها حضورا مختلفا عن كثير من ألعاب Dark Fantasy التي تعتمد على الصخب أو العنف المباشر من أجل فرض أجوائها. فمنذ اللحظات الأولى تنقل اللعبة اللاعب إلى عالم متهدم ومهجور يبدو كأنه فقد مجده منذ زمن طويل ولم يبق منه سوى الأطلال والأسرار والأسئلة التي لا تجد لها إجابات واضحة بسهولة. وهذا ما يجعل التجربة فيها قائمة على الإحساس بالضياع الجميل داخل عالم لا يشرح نفسه بشكل مباشر بل يترك اللاعب يكتشفه ببطء ويشعر بثقله النفسي من خلال الاستكشاف والصمت والتفاصيل الصغيرة المنتشرة في كل مكان.
ومن أكبر عناصر قوة Hollow Knight أن خريطتها مترابطة بصورة دقيقة تجعل الاستكشاف جزءا أساسيا من متعة اللعب ومن هويتها الكاملة. فالبيئة هنا ليست مجرد ممرات تؤدي من نقطة إلى أخرى بل شبكة واسعة من الكهوف والممرات والمناطق التي تتصل ببعضها بطريقة تشجع اللاعب باستمرار على التقدم أعمق نحو المجهول. وفي كثير من الأحيان يشعر اللاعب برغبة في العودة إلى السطح أو التراجع إلى المناطق الآمنة لكنه يجد نفسه مدفوعا إلى مواصلة الهبوط واكتشاف ما ينتظره في الأسفل. وهذا الإحساس المستمر بالتوغل داخل عالم سفلي واسع ومتشعب يمنح اللعبة توترا خاصا ويجعل كل خطوة إلى الأمام تحمل معها فضولا وخوفا في الوقت نفسه.
كما أن Hollow Knight تبرع بشكل واضح في جانب السرد لأنها لا تقدم قصتها بصورة مباشرة أو مكشوفة بل تتركها مبعثرة في أجزاء صغيرة وشذرات من المعلومات والرموز والمشاهد التي تحتاج من اللاعب انتباها وصبرا حتى يجمعها ويفهمها. وهذه الطريقة في السرد تضيف إلى اللعبة عمقا كبيرا لأن العالم لا يكشف نفسه إلا لمن يريد فعلا أن ينصت إليه ويفكك طبقاته الخفية. فلا شيء يفرض معناه بشكل صريح بل كل شيء يوحي ويترك أثرا ويجعل اللاعب يبني فهمه الخاص لما جرى في هذا العالم وما الذي أدى إلى تحوله إلى هذا الشكل الحزين والمكسور.
وأفضل كلمة يمكن أن تصف أجواء Hollow Knight ربما تكون الحزن العميق لأن اللعبة لا تعتمد فقط على الظلام أو القتامة بالمعنى التقليدي بل تقدم إحساسا أكثر رقة وأشد تأثيرا في الوقت نفسه. فالبيئات فيها ليست مخيفة فقط بل تحمل أيضا جمالا غريبا وتعقيدا هادئا يوحي بأن تحت هذا الخراب تاريخا طويلا من الألم والأسرار والانهيار. وهذا ما يجعل العالم يبدو حيا رغم موته ومؤثرا رغم صمته لأن كل منطقة فيه تخفي تحت سطحها طبقات من المعنى تنتظر من يكتشفها. ولهذا لم تصبح Hollow Knight لعبة محبوبة فقط بسبب أسلوب لعبها أو تصميمها المتقن بل لأنها قدمت عالما حزينا وعميقا ومترابطا استطاع أن يترك أثرا كبيرا في كل من قرر أن يهبط إلى أعماقه ويواصل الرحلة حتى النهاية.
Fear And Hunger تجسيد حقيقي لليأس المطلق في عالم Dark Fantasy
إذا كانت هناك لعبة واحدة تأخذ معنى الظلام في Dark Fantasy إلى أقصى حد ممكن وبأكثر صورة حرفية وقسوة فهي Fear And Hunger. فهذه اللعبة لا تكتفي بتقديم عالم كئيب أو أجواء خانقة فحسب بل تبني تجربتها بالكامل على الإحساس المستمر بالضعف والخوف وانعدام الأمان. ومنذ اللحظات الأولى يجد اللاعب نفسه داخل تجربة لا ترحب به ولا تحاول طمأنته ولا تقدم له حماية حقيقية من قسوة العالم الذي دخل إليه. فكل شيء فيها يبدو مصمما ليؤكد أن النجاة ليست مضمونة وأن الفشل ليس احتمالا بعيدا بل نتيجة قريبة جدا يمكن أن تقع في أي لحظة ومن أبسط خطأ أو قرار غير محسوب.
وتظهر قوة Fear And Hunger بوضوح في الطريقة التي تستخدم بها آليات اللعب نفسها من أجل ترسيخ هذا الإحساس القاتم. فالميكانيكيات هنا قاسية عمدا ولا تمنح اللاعب شعورا بالسيطرة أو الأمان كما تفعل كثير من الألعاب الأخرى بل تدفعه باستمرار إلى الشعور بأنه محاصر داخل عالم عدائي لا يرحم. فالعواقب دائمة والخسائر موجعة والتوجيه محدود للغاية حتى في البداية وهو ما يجعل كل خطوة داخل اللعبة مشبعة بالتردد والتوتر. واللاعب لا يشعر هنا بأنه بطل قادر على قلب الموازين بسهولة بل ككائن هش يحاول فقط أن يصمد قليلا في وجه عالم يريد سحقه في كل لحظة. وهذا ما يجعل كل تقدم يتحقق في Fear And Hunger يبدو ثقيل الثمن ومشحونا بقلق حقيقي لا يفارق التجربة.
ولا تقف قسوة اللعبة عند حدود الصعوبة أو ندرة الموارد بل تمتد إلى مستوى آخر أكثر عنفا واضطرابا من خلال المشاهد المروعة والموضوعات المزعجة التي تتكشف بصورة أعمق كلما تقدم اللاعب في السرد. فالتجربة هنا لا تبحث عن إمتاع اللاعب عبر تمكينه أو منحه شعورا متصاعدا بالقوة بل تفعل العكس تماما إذ تواصل تذكيره بأنه ضعيف ومهدد ومعرض للانكسار في أي وقت. ومن خلال هذا النهج تخلق اللعبة حالة نادرة من الانزعاج النفسي العميق الذي لا يختفي حتى عند تحقيق التقدم لأن التوتر يظل ملازما لكل لحظة وكل قرار وكل مواجهة. وهذا ما يمنح Fear And Hunger طابعا مرعبا وفريدا في الوقت نفسه لأنها لا تستخدم الظلام كزينة بصرية أو خلفية سردية بل تجعله جوهر التجربة بالكامل.
وما يجعل Fear And Hunger لعبة لافتة إلى هذه الدرجة هو أنها تنجح في تحويل القسوة واليأس إلى جزء من جاذبيتها الخاصة. فرغم أن التجربة مزعجة ومثقلة بالكآبة وتكاد تكون طاردة في كثير من لحظاتها فإنها تظل قادرة على شد اللاعب إليها بطريقة يصعب تجاهلها. فهناك شيء شديد القوة في هذا العالم يدفعك إلى الاستمرار رغم الألم والتوتر ورغم الإحساس الدائم بأن كل شيء يسير نحو الأسوأ. ولهذا لا تعد Fear And Hunger مجرد لعبة Dark Fantasy مظلمة بل تجربة متطرفة في تصوير الضعف واليأس والانهيار تقدم شكلا من أشد الأشكال قسوة وإزعاجا داخل هذا النوع وتجعلها بالنسبة إلى كثيرين واحدة من أكثر الأعمال التي جسدت despair بصورة لا تنسى.