أفضل ألعاب FPS تدور في أكوان مظلمة بديلة – الجزء الثالث
بعد ان استعرضنا أفضل ألعاب FPS تدور في أكوان مظلمة بديلة الجزء الأول و الجزء الثاني نستكمل القائمه في الجزء الثالث.
Wolfenstein 2 The New Colossus احتلال يبتلع ملامح العالم

تأخذ Wolfenstein 2 The New Colossus واحدة من أكثر فرضيات التاريخ البديل إثارة للقلق وتبني عليها عالما كاملا مشوها وثقيلا ومزعجا إلى حد بعيد إذ تنطلق من تصور أن Axis خرجت منتصرة من World War 2 ثم تدفع هذه الفكرة إلى نتائجها الأكثر قسوة فتقدم واقعا لم يعد يشبه ما عرفه الناس ولا ما كان يمكن أن يصبح عليه العالم لو سارت الأحداث في اتجاه آخر.
وفي هذا العالم لا يتوقف التغيير عند حدود السياسة أو عند تبدل أسماء القوى المسيطرة بل يمتد إلى الحياة اليومية نفسها وإلى شكل الشوارع والبيوت والمؤسسات والوجوه والأصوات بحيث يبدو كل شيء كما لو أنه أعيد تشكيله بالقوة من جديد وتصبح United States في هذا التصور أرضا واقعة تحت قبضة قمعية لا تكتفي بالسيطرة العسكرية أو الإدارية بل تسعى إلى إعادة كتابة الهوية ومحو الذاكرة وتفريغ الأماكن من معناها القديم حتى تصير الحياة المعتادة صورة مشوهة لما كانت عليه من قبل.
وتتميز اللعبة بأنها لا تستخدم فكرة انتصار Nazi بوصفها مجرد خلفية صادمة أو نقطة انطلاق مثيرة فحسب بل تجعل هذا الانتصار محسوسا في كل زاوية من زوايا العالم فالأماكن اليومية التي يفترض أن تمنح شعورا بالألفة والاعتياد تتحول إلى مساحات تحمل آثار الهيمنة والإخضاع ويصبح المألوف نفسه مصدرا للانزعاج لأن اللاعب يرى كيف يمكن لبيئة يعرفها الناس جيدا أن تفقد روحها تحت سلطة تريد التحكم في كل شيء من الوعي الجماعي إلى تفاصيل الحياة الصغيرة.
وهنا تكمن إحدى أقوى نقاط اللعبة لأن أثر الاحتلال لا يظهر فقط في البنية العامة للعالم بل في طريقته اليومية في التنفس والحركة فالمكان لم يعد يتكلم اللغة نفسها من حيث المعنى والرمز حتى لو ظل محتفظا بصورته الخارجية إلى حد ما وهذا ما يمنح التجربة ثقلا شديدا لأن القمع هنا ليس مجرد حضور عسكري مباشر بل مشروع كامل لإعادة تشكيل المجتمع وفرض واقع جديد يقوم على الإذلال والسيطرة والمسح الثقافي البطيء لكل ما سبق.
كما أن التباين بين المواقع المألوفة التي تحمل قيمة رمزية كبيرة وبين هذا الشكل المتوحش من الحكم السلطوي يخلق نغمة مزعجة ومؤثرة للغاية فاللاعب لا يواجه فقط عالما مظلما وغريبا بل يواجه نسخة منحرفة من أماكن يمكن تخيلها بسهولة داخل الواقع المعاصر وهذا ما يجعل الصدمة أعمق لأن اللعبة لا تبني خوفها على الانفصال الكامل عن الواقع بل على قربها المخيف منه وعلى قدرتها على إقناع اللاعب بأن هذا المسار البديل كان من الممكن أن يترك العالم الحديث بصورة أكثر ظلاما وقسوة مما نتصور.
ومن خلال هذا القرب من الواقع تصبح كل لحظة في اللعبة أكثر تأثيرا لأن الانحراف عن التاريخ لا يبدو مبالغا فيه أو بعيدا إلى درجة تفقده قوته بل يبدو متماسكا ومخيفا ومبنيا على فرضية واحدة غيرت كل ما بعدها وهذا يمنح العالم ثقلا خاصا لأن اللاعب لا يشعر بأنه داخل خيال منفصل تماما بل داخل نسخة أخرى من التاريخ كان يمكن أن تولد فعلا لو انكسرت لحظة مفصلية واحدة في اتجاه مختلف.
وتزداد قوة Wolfenstein 2 The New Colossus أيضا بسبب التوازن الواضح بين الشدة السردية والزخم القتالي العالي فهي لا تقدم قصة قاتمة فقط ولا تعتمد على المعارك وحدها بل تجعل الجانبين يعملان معا بصورة تمنح التجربة حرارة أكبر فالعالم مليء بالقهر والاختناق والهيمنة لكن هذا لا يقتل الحركة بل يجعل كل مواجهة أكثر شحنة وكل اشتباك أكثر معنى لأن العنف هنا ليس مجرد استعراض بل رد مباشر على واقع خانق يحاول سحق كل إرادة للمقاومة.
ولهذا تبدو لحظات الأكشن والانفجار والانتصار أكثر قوة حين تصل لأن اللعبة تبنيها فوق أرضية ثقيلة من القمع المستمر وكل تقدم يحققه اللاعب لا يشعر بأنه مجرد إنجاز عسكري عابر بل يبدو كأنه اختراق صغير في جدار هائل من السيطرة وكأن كل لحظة مقاومة تحمل وزنا معنويا يتجاوز حدود المعركة نفسها لتصبح استعادة جزئية للكرامة ولإمكانية التمرد على عالم صمم ليجعل الاستسلام أمرا عاديا.
ولا يقتصر تأثير اللعبة على رسم عالم بديل مظلم بل يمتد إلى قدرتها على تذكير اللاعب بمدى هشاشة المسار التاريخي نفسه فحين يرى كيف تغيرت الوجوه والأماكن والقيم تحت حكم مختلف يدرك أن ما يبدو اليوم ثابتا وطبيعيا كان يمكن أن يتخذ شكلا آخر تماما وهذا الإدراك يمنح اللعبة قوة ذهنية ونفسية إضافية لأنها لا تكتفي بإخافة اللاعب من عالمها بل تدفعه إلى التفكير في العالم الحقيقي وفي معنى أن تنتصر قوة قمعية مرة واحدة فتبدأ بعدها سلسلة طويلة من المحو والتشويه.
Perfect Dark عالم تحكمه الشركات من خلف الستار

تقدم Perfect Dark صورة مقلقة لعالم لم تعد فيه الحكومات ولا المؤسسات التقليدية هي صاحبة الكلمة الأعلى بل أصبحت السلطة الحقيقية في يد megacorporations ضخمة تمتلك من النفوذ ما يكفي لتوجيه الأحداث العالمية وصناعة القرارات ورسم مصير المجتمعات من مواقع لا يراها الناس بوضوح وهذا ما يمنح اللعبة منذ اللحظة الأولى إحساسا خانقا بأن العالم لم يعد يدار وفق قيم العدالة أو المصلحة العامة بل وفق حسابات باردة تحركها الرغبة في السيطرة والهيمنة وتوسيع النفوذ مهما كانت النتائج.
وفي هذا العالم لا تبدو القوة مجرد أداة من أدوات التأثير بل تصبح العملة الأهم والأكثر حسما لأن كل شيء يدور حول من يملك القدرة على فرض إرادته ومن يستطيع التحكم في المعلومات والموارد والناس ومن ينجح في البقاء فوق الجميع داخل شبكة شديدة التعقيد من المصالح والمراقبة والخداع ولهذا لا يكون الصراع في Perfect Dark صراعا مباشرا وسطحيا بقدر ما يكون صراعا يجري في الظلال حيث تتحرك الأطراف الكبرى بصمت وتستخدم الواجهات اللامعة لإخفاء نوايا أكثر قسوة وأكثر خطورة.
وتزداد قوة هذا التصور لأن اللعبة تمزج بين أجواء التجسس والخيال العلمي بصورة تجعل عالمها يبدو متقدما من الناحية التقنية لكنه في الوقت نفسه أكثر برودة وأكثر قدرة على الإخضاع فالتطور هنا لا يقدم بوصفه إنجازا إنسانيا يفتح أبوابا أفضل للمستقبل بل بوصفه وسيلة تمنح القوى المسيطرة أدوات أدق للتلاعب والملاحقة والتغلغل في كل مساحة ممكنة من حياة البشر وهذا ما يجعل التقدم نفسه مصدرا للرهبة لا للطمأنينة.
ومن خلال التحرك في الخفاء والتسلل إلى داخل هذه الكيانات العملاقة من الداخل يكتشف اللاعب أن النفوذ الذي تمارسه هذه الشركات لا يقف عند حدود السوق أو التكنولوجيا أو المصالح التجارية بل يمتد إلى مستويات أعمق بكثير ترتبط بتوجيه العالم نفسه والتحكم في مساراته العامة وتحديد من يصعد ومن يسقط ومن يملك الحق في المعرفة ومن يبقى مجرد أداة داخل لعبة أكبر منه بكثير وهذا ما يمنح التجربة إحساسا متصاعدا بأن كل خطوة تكشف طبقة جديدة من منظومة معقدة لا يظهر وجهها الحقيقي بسهولة.
ومع التقدم في الأحداث يصبح واضحا أن ما يجري ليس مجرد تنافس بين أطراف قوية تسعى إلى المكاسب المعتادة بل إن هناك ما هو أكبر بكثير مما يبدو على السطح فكلما انكشفت الأسرار وسقطت الطبقات التي كانت تحجب الحقيقة أعيد تشكيل صورة العالم بالكامل أمام اللاعب ولم يعد ينظر إلى ما حوله بالطريقة نفسها لأن المعرفة الجديدة لا تضيف تفاصيل فقط بل تغير معنى كل شيء وتكشف أن هذا الواقع أكثر ظلمة وأكثر فسادا وأكثر خطرا مما كان يمكن تخيله في البداية.
وهنا تكمن إحدى أكثر نقاط اللعبة تأثيرا لأن التحول في فهم العالم لا يحدث من خلال صدمة واحدة عابرة بل عبر تراكم مستمر للاكتشافات التي تجعل اللاعب يدرك أن النظام الذي يبدو مستقرا ومنظما يخفي في داخله قدرا هائلا من التلاعب والتشويه والتوجيه المتعمد وأن القوى المتحكمة لا تكتفي بإدارة الحاضر بل تعمل على تشكيل المستقبل وفقا لمصالحها وحدها حتى لو كان الثمن هو تحويل العالم كله إلى مساحة خاضعة للمراقبة والاستغلال وفقدان الإرادة.
ولعل ما يجعل Perfect Dark أكثر إزعاجا من كثير من الأعمال الأخرى التي تتناول العوالم البديلة هو أن الطريق المؤدي إلى هذا المستقبل لا يبدو بعيدا ولا يحتاج إلى تحولات خارقة أو انهيارات مستحيلة فاللعبة ترسم عالما يمكن تصوره بسهولة لأنه مبني على امتداد منطقي ومخيف لبعض الاتجاهات التي يعرفها الناس بالفعل حيث يتزايد نفوذ الشركات وتتشابك المصالح مع السلطة وتصبح المعلومات أداة سيطرة مركزية وهذا ما يمنحها رهبة خاصة لأن الكابوس هنا لا يعتمد على فرضية مستحيلة بل على احتمال يبدو قريبا وممكنا أكثر مما ينبغي.
ومن هذا المنظور لا تبدو اللعبة مجرد قصة عن مؤامرات وشركات متنافسة بل تبدو تحذيرا من عالم يمكن أن ينزلق بسرعة نحو نقطة تصبح فيها الحقيقة سلعة والولاء صفقة والإنسان مجرد عنصر يمكن إدارته وإعادة توجيهه بما يخدم من يملكون القوة الكافية ولهذا فإن الظلام في Perfect Dark لا يأتي من شكل المدن أو من كثرة الدمار فقط بل يأتي من البنية نفسها من النظام الذي يبدو أنيقا ومنظما من الخارج بينما يقوم في الداخل على الخداع والإخضاع وإفراغ العالم من أي توازن أخلاقي حقيقي.
كما أن هذا النوع من الظلام أكثر التصاقا بالنفس لأنه لا يعتمد على الرعب الصريح وحده بل على الشعور المتزايد بأن ما يبدو مألوفا وعاديا يمكن أن يكون في الحقيقة واجهة هادئة لشيء أكثر خبثا وعمقا فكل مؤسسة لامعة وكل خطاب عن التقدم وكل عرض للقوة أو الابتكار يمكن أن يخفي وراءه شبكة من المصالح التي لا ترى البشر إلا باعتبارهم وسائل وأرقاما وأدوات وهذا ما يجعل العالم في اللعبة خانقا حتى عندما لا يكون في حالة انفجار أو مواجهة مباشرة.