ألين دو لينس وسبر أغوار المجتمع المغاربي.. استشراق مغاير / فريد الزاهي

نشر في : Wed, 06/09/2021 - 14:00

حين نستعيد ذاكرة الأدب “الكولونيالي” النسوي المكتوب باللغة الفرنسية، والخاص حصرًا بالمغرب الكبير، غالبًا ما نستحضر الكتابات الحكائية المليئة بالمغامرة للصحافية والكاتبة ذات الأصل السويسري، إيزابيل إبرهاردت. فلقد نُشرت بعض كتاباتها في بدايات القرن الماضي، وإن كانت أعمالها الكاملة لم تنشر إلا في الثمانينيات، كما حظي “كتابات على الرمل” بالترجمة إلى اللغة العربية من سنوات خلت. لكن من يعرفون كتابات ألين دو لينس وحياتها هم نادرون، ربما لأنها لا تتسم بالطابع المغامر لإيزابيل إبرهاردت، التي اعتنقت الإسلام وعاشت الترحال في الجزائر وصحرائها، وتزوجت مسلمًا، وكانت تتزيا بزي الرجال حينها. وربما لأن حياتها كانت مطبوعة بالغنى الداخلي، وبالتناقضات المثيرة.
في عام 2008، دعاني “مركز جاك بيرك للأبحاث” في الرباط لكتابة مقدمة باللغة الفرنسية لمجموعة قصص لألين دو لينس عن تونس والمغرب بعنوان “الحريم المنفرج”. كانت القصص تحكي شذرات حياتية عن نساء تونس والمغرب بلغة حديثة ومن الداخل. وكنت قد اطلعت قبل ذلك على مذكراتها التي نشرتها المغنية والكاتبة المغربية ذات الأصول اليهودية “صافو”، والتي تكشف فيها بشكل شبه صريح عن هويتها المعذبة. بدأتُ من ثمّ رحلة استكشاف لهذه المرأة التي كانت أول امرأة فرنسية تسجل نفسها في مدرسة الفنون الجميلة في باريس، وتعيش تجربة حب عذري في شبابها مع قسّ إسباني، لتعيش بعدها علاقة حب وزواج “أبيض” بشاب فرنسي عُيّن في تونس عام 1911، ثم في المغرب، بعد الحماية الفرنسية مباشرة.
في صلب المجتمع المغربي

كتاب مذكرات ألين دو لينس

بالرغم من أن ما وصلنا من لوحات ألين دو لينس لا يتعدى بعض البورتريهات، إلا أن كتاباتها تفصح لنا عن وعي نسوي مغاير بشكل واضح لكتابات الرحالة الكولونياليين من قبيل “الأخوين طارو”، أو “بيير لوتي”، وبتقنيات كتابة لها طابع أدبي وفكري واضح، وتنطلق من رغبة جامحة في استكشاف أجواء “الحريم”، وحياة بني جنسها في مجتمع محافظ ومغاير تمامًا للمجتمع الفرنسي. بعد حلولها في المغرب عام 1913، عاشت ألين دو لينس في الرباط، وتعرفت على المقيم العام، الجنرال ليوطي، الذي كان معروفًا بحبه للمغرب، واحترامه لتقاليده، بالرغم من حرصه على توطين الاستعمار الفرنسي في المغرب. وفي الفترة نفسها، نشرت الكاتبة مجموعتها القصصية “الحريم المنفرج”، ومعها بعض النصوص الأخرى، في مجلة فرنسية معروفة حينئذ هي “مجلة العالميْن”. ويبدو أن ليوطي كان يحب كتاباتها، ويقربها منه.
“كتاباتها تفصح لنا عن وعي نسوي مغاير بشكل واضح لكتابات الرحالة الكولونياليين من قبيل “الأخوين طارو”، أو “بيير لوتي”، وبتقنيات كتابة لها طابع أدبي وفكري واضح”
وسنة بعد حلولها في المغرب، سيعين ليوطي زوجها الشاب، “ريفيّيو”، حاكمًا إداريًا لمدينة مكناس وسط المغرب، لتعيش الكاتبة فيها، وبأحوازها، تجربة انغماس فريدة في المجتمع المغربي سبرت من خلالها أغواره بنظرة سعت فيها بكامل أوصالها أن تنفلت من النظرة الاستشراقية الخارجية، وتعيش انتماءها المزدوج بشكل لا انفصام فيه. فتعلمت المرأة اللهجة المغربية، وصارت تجوب أجواء المدينة باللباس النسوي المغربي، وتعيش مع نساء مكناس كواحدة منهم، منسلخة عن طابعها الإفرنجي، ومتبنية كامل عوائد البلد. وقد أفرزت هذه التجربة كتابًا مميزًا صغيرًا عن أساليب التجميل ومواده لدى المرأة المغربية. والكتاب لا يزال، برأيي، مرجعيًا في هذا المضمار.
لم تكتف الكاتبة بذلك، بل أنشأت مدرسة لتعليم حِرف الطرز والحياكة للفتيات الريفيات كانت تديرها بنفسها، وأنشأت في الوادي الذي يفصل مدينة مكناس حديقة صغيرة للحيوانات ومتنزهًا للأطفال الصغار كانت فيه أسود، وظل يحتضن أسدًا عجوزًا، قبل أن تُغلق الحديقة بعد موته في التسعينيات. بيد أن سرطان الثدي ألمّ بها، فلم يترك لها الوقت لمتابعة أعمالها، فبدأت بكتابة مذكراتها التي يمكن اعتبارها وثيقة أدبية واجتماعية عن وضعية النساء المثقفات في بدايات القرن الماضي، وتعبيرًا أدبيًا يضاهي في لغته وأسلوبه كتابات أدباء كبار في تلك المرحلة.
في تونس، كما في الرباط، كانت العين اللاقطة لألين دو لينس لا تكتفي بتصوير السطوح والمناظر والحكايات المخملية الاستيهامية التي عودتنا عليها الكتابات الاستشراقية والكولونيالية الأولى، وإنما بحكي حيوات مفعمة بالغنى والقصص والمغامرات الدفينة. وربما كانت نظرتها تأسيسًا لنظرة جديدة ومغايرة، ومن الداخل، لحياة النساء المسلمات في تلك الفترة. فمفهوم “الحريم المنفرج” يجاوز تلك النظرة المسبقة التي حاكها الفنانون والكتاب عن النساء المغربيات، والعرب. لقد أدركت الكاتبة ذلك الطابع المرح والقدري الذي تعيشه النساء، والذي يجعل حياتهن بعيدة شيئًا ما عن مفهوم الحبس الذي تداولته النظرة الاستشراقية. فحين سألت الكاتبة مرة نساء من معارفها إن كن لا يرغبن في الخروج من حياتهن والتحرر منها، كان الجواب بالنفي القاطع، وبالاستغراب بالمعلن.

استشراق مغاير

لوحة لــ ألين دو لينس

في كتابات ألين دو لينس كثير من هذه النظرة التي تتجاوز الاستشراق البدائي الذي يبني نظرته للجسد الشرقي على المفارقة والغرابة. ففي اهتمامها بالمرأة ووضعيتها الاجتماعية في المجتمع المغربي، وقبله التونسي، نجد ظلالًا واضحة للمفارقة التي تخترق تصورها للوجود. فهي تعدُّ النساء المغربيات “محبوسات وأسيرات بيوتهن”، وتصفهن “بالمسلمات السجينات”، وحياتهن “ليست سوى ضجر قاتل”، هنَّ “الحسناوات أسيرات البيوت”. وحين تراقب جنازة إحدى النساء، تعلق: “النساء المغربيات سجينات حتى في موتهن” (إشارة منها إلى وضع جثمانهن في التابوت). مع ذلك، فإنها ذات حساسية خاصة لجمالهن وزينتهن، بحيث أنها سوف تتبنى تلك الزينة التي تمكنها من استعادة جمالها، والحديث عنه لأول مرة، وربما لآخر مرة، حسب ما اطلعنا عليه. فقد كانت تتجول في المدينة القديمة متلفعة بلباس الحضريات المغربيات، بحيث صارت جزءًا من الحياة العامة للمدينة.
“كانت العين اللاقطة لألين دو لينس لا تكتفي بتصوير السطوح والمناظر والحكايات المخملية الاستيهامية التي عودتنا عليها الكتابات الاستشراقية والكولونيالية الأولى، وإنما بحكي حيوات مفعمة بالغنى والقصص والمغامرات الدفينة”
أما في روايتها “خلف الأسوار العتيقة المتهالكة”، فإنها تنطلق من تلك البؤرة النسوية التي خبرتها جيدًا كي تصور لنا تاريخ المدينة في العقد الثاني من القرن العشرين. والحقيقة أنها أول رؤية يقدمها لنا أجنبي عن حياة النساء وحياة المجتمع المغربي من الداخل. فهي امرأة مثقفة تخالط علّية القوم في البلاد، وتعايش النساء في المدينة القديمة، وتلتقط الأحداث التي تدور حولها في المدينة والبلد. وفي أحد مقاطع الرواية، تزور صحافيتان فرنسيتان أحد الأعراس الذي تكون ألين دو لينس حاضرة فيه، باعتبارها “بنت البلد”، وهي مرتدية الزي التقليدي المغربي. وحين تسألها إحدى الصحافيتين عن بعض الأمور، تجيبها ألين باللغة الفرنسية. فتصاب الصحافيتان بالدهشة، وتسألانها كيف تعلمت اللغة بتلك الطلاقة، ومن غير لكنة… فتجيب بأنها مغربية من أم فرنسية. تحس ألين أنها بعيدة جدًا عن بنات جلدتها: “سألتني المرأة عن العديد من التفاصيل السخيفة. ومع ذلك، فهي ليست ببلهاء، بل أعتقد أنها ذكية، غير أنها لم تدرك كل ما يخالف حضارتها وعوائدها وثقافتها! لقد جاءت بفكرة جاهزة عن الغانيات الشهوانيات الخاملات المرتخيات على أسرتهن، وهن يدخنَّ النرجيلة شبه عاريات في لباسهن الشفاف المرصع بالذهب والفضة. وأيضًا، عن النساء المتمردات اللاتي يطمحن للحرية، ولا ينتظرن سوى الخروج، أو معاشرة الرجال. وها هي هنا تلاقي نساء مسلمات حازمات جامدات الملامح، متشحات بأثواب حريرية ثقيلة لا تترك المجال لتخمين تقاطيع أجسادهن، نساء لهن هيئة تماثيل جامدة… وكل هذا يزعج تصورها، وكل أسئلتها تسير في هذا الاتجاه”…
في هذه العلاقة المرآوية، تكشف الكاتبة عن هويتها الجديدة الممزقة بين الانتماء للشرق والغرب في آن واحد: “وفجأة غمرني إحساس حاد بأني غريبة عن كل هؤلاء النساء في هذا العرس. وأني بعيدة جدًا عن الأوروبيات اللاتي لا يستطعن فهم النفوس التي استسلمت معها. بعيدة جدًا، أشد بعدًا من المغربيات اللاتي لن يسعين إلى فهم نفسي وروحي… غير أنني أحس أفضل أننا كلنا أخوات. من اللازم فهم المسلمات حميميًا، حتى لا نرى فيهن أبدًا مخلوقات استثنائية، وإنما فقط نساء بسيطات تحركهن العواطف الأكثر طبيعية (…). كنت أرغب في أن أقول كل هذا، وأشياء أخرى، لهذه الأديبة التي تسعى لاكتشاف المسلمات. لكنني ألزم الصمت اليوم لأني واحدة منهن…”. هنا، بالضبط، تكمن المفارقة التي تعيشها ألين دو لينس، من حيث هي مفارقة مرحة ومأساوية في الآن نفسه، تجعلها قريبة من العالم الذي تستكشفه، وبعيدة عنه في الآن نفسه، قربها وبعدها عن مثيلاتها من الأوروبيات.
“رواية “خلف الأسوار العتيقة المتهالكة” أول رؤية يقدمها لنا أجنبي عن حياة النساء وحياة المجتمع المغربي من الداخل”
بيد أن كتابات ألين دو لينس، كما حياتها، ظلت إلى آخر حياتها تعيش في الحيرة بين نظرة الاستشراق والاستعراب والانغماس في حياة الآخر. وهي، وإن كانت لا تعيش حالة الانبهار في شكله الأولي، إلا أنها مع ذلك تظل في الفاصل الواصل بين الاستحسان والاستهجان، وبين الرغبة الأولية والمتعة البصرية، وبين الاندماج والحفاظ على الذات. وهذه النظرة المأساوية هي التي تركتها لنا في نصوص تستحق الترجمة إلى العربية، لأنها شهادة ثاقبة عن مغرب بدايات القرن العشرين، ونظرة يمكن اعتبارها تأسيسًا لاستشراق جديد، يخلخل المسبقات الأيديولوجية إنما من غير أن يتجاوزها.

ضفة ثالثة

Cet article ألين دو لينس وسبر أغوار المجتمع المغاربي.. استشراق مغاير / فريد الزاهي est apparu en premier sur جمعية الأوان.

المفاتيح