في رحيل هشام جعيّط.. عن تملّك النقد المعرفيّ / أشرف الحساني

نشر في : Wed, 06/09/2021 - 14:00

لا شك أنّه بغياب المؤرّخ والمُفكّر التونسي هشام جعيّط (1935-2021) يكون الفكر العربي المعاصر قد فقد أحد أعمدته التاريخيّة والفكرية، التي أسّست مسار وعيه الإبستيمولوجي منذ ستينيات القرن الماضي إلى جانب كوكبة من المفكّرين العرب مثل محمد أركون ومحمد عابد الجابري وأنور عبد الملك وعبد الله العروي وحسين مروة ومهدي عامل وسواهم من المُفكّرين الذين قاموا بتشريح الخطاب الفكري العربي من زوايا نظر مُتعدّدة.
“كتاباته وأبحاثه تأخذ دومًا طابعًا حفريًا مقارنًا، يهتم بتفاصيل دقيقة في سيرة الإسلام ونشأته، في وقت تقاعس فيه العديد من المفكّرين العرب عن إخضاع “الإسلاميات” إلى مفاهيم نقدية وإلى مناهج جديدة”

تنبع فرادة هشام جعيط بالأساس من قوّته التأريخيّة التنقيبيّة في العديد من قضايا الاجتماع العربي، وإنْ كانت كتاباته وأبحاثه تأخذ دومًا طابعًا حفريًا مقارنًا، يهتم بتفاصيل دقيقة في سيرة الإسلام ونشأته وتشكّله منذ بواكيره الأولى، في وقت تقاعس فيه العديد من المفكّرين العرب عن إخضاع “الإسلاميات” إلى مفاهيم نقدية وإلى مناهج جديدة، لا تقف عند قراءة الإسلام في بعده العقائدي، ولكن بإبراز تاريخه ونشوئه ومقوّماته وخصائصه كحضارة بارزة في تاريخ البشرية. فأغلب الدراسات الكلاسيكية، التي تناولت موضوع الإسلام بالدرس والتحليل، لم تخرج من عملية “تأييد” أو “تفنيد” ما قيل وتم البحث والتقصّي فيه سلبًا أو إيجابًا من لدن الاستشراق الكلاسيكي، في وقت حرص فيه هشام جعيط في ثلاثيته التاريخيّة، التي خصّصها للسيرة بعنوان “في السيرة النبويّة: الوحي والقرآن والنبوّة”، “في السيرة النبويّة: تاريخية الدعوة المحمّدية في مكّة”، “في السيرة النبويّة: سيرة محمد في المدينة وانتصار الإسلام”، وهي أعمال تتميّز بنوع الشغف الذي يتلمّسه القارئ للكتاب، على إظهار قدرة هائلة على تأصيل الموضوع والإحاطة بمتونه ومنابعه ومراجعه ومصادره قديمًا وحديثًا. ويعتبر هذا الكتاب علامة بارزة في مشروعه الفكري، وإنْ لم يحظَ باهتمام الباحثين والأكاديميين والمؤسّسات الجامعية داخل الوطن العربي، على حد تعبير صاحبه. وذلك لأنّ المنهج الذي خصّ به الكتاب، كان مغايرًا عن الطريقة المألوفة للدراسات الإسلامية، سواء العربيّة أو حتى الاستشراقية، بحيث يجد القارئ أنّ جعيّط بدا وكأنّه خصم للكلّ، مع أنّ صرامة المنهج التاريخيّ، هي التي تفرض هذا النوع من المعاينة الحفرية الدقيقة والمُتوهّجة، التي ترصد الوقائع والأحداث، قبل التأكّد منها كحقيقة أو مسلمة معرفية وتاريخيّة.
إنّ هذه الطريقة في النظر إلى حضارة الإسلام، هي التي جعلت جعيّط يقف ندًا لكل المستشرقين الكلاسيكيين والمحدثين منهم ويُجهض كل محاولاتهم الرامية إلى تشويه الدرس التاريخي حول الإسلام ورصد مظاهر الابتذال والانحطاط والأساطير الخرافية، التي طبعت بعض آراء المستشرقين، خاصّة الأجيال الأولى، التي يعتبرها جعيّط كتابات هشّة ولا تخضع إلى شروط معرفية، بحكم الطابع الإيديولوجي، الذي ظلّ يُغلّف هذه التحليلات ويحكم عليها بالسطحية العمياء تجاه الإسلام وتاريخه.

عرّاب التأريخ الإسلامي

برز اسم المؤرّخ التونسي هشام جعيّط داخل العالم العربي، في وقت شهد فيه الفكر العربي المعاصر تحوّلات جمّة تمس طريقته في النظر وفهم العالم وتفسيره، بحيث وجد جعيّط نفسه يقف في وجه المركزيّة الغربية المُتمثّلة في الكتابات الاستشراقية، التي كانت تعيش أبهى مراحل عصرها، إذْ تصدّى لها وعرّى أعطابها ومآزقها، تجاه ما صنعته من ميثولوجيات فكرية حول الإسلام المبكّر، خاصّة وأنّ أغلب هؤلاء المستشرقين، لم يكونوا على علم ودراسة باللّغة العربيّة أو حتى الفارسية، ما جعل المصادر العربيّة الوسيطية تفوتهم، وهي أكبر المصادر المتوفّرة حول بدايات الإسلام، معتمدين على الملاحظة السوسيولوجية والأنثروبولوجية، التي تهدف إلى رصد الواقع وفهمه ومقارنته بالبيئة القديمة، التي تشكّل فيها الإسلام الأوّل. وهذا المنطلق المنهجي الخاطئ، أنتج تراثًا فكريًا استشراقيًا لا يُعير اهتمامًا للمصادر العربيّة الإسلامية ولا حتى للمراجع والدراسات العربيّة منذ نهاية القرن التاسع عشر إلى حدود منتصف القرن العشرين لكوكبة من المفكّرين العرب، الذين راكموا كتبًا فكرية تقرأ تاريخ الإسلام سياسيًا واجتماعيًا وحضاريًا.
“آراء المستشرقين، خاصّة الأجيال الأولى يعتبرها جعيّط كتابات هشّة ولا تخضع إلى شروط معرفية، بحكم الطابع الإيديولوجي، الذي ظلّ يُغلّف هذه التحليلات ويحكم عليها بالسطحية العمياء تجاه الإسلام وتاريخه”

هذا الخلل المنهجي في الاستشراق الجديد، ظلّ يغذّي نفسه انطلاقًا من الكتابات العربيّة الفرنكفونية، التي بدت في بعض خطاباتها وكأنّها نسخة مصغّرة عن استشراق لا يحتمل، لا يعمل سوى على نقد السيرة النبويّة. لكنّ المتأمّل للكتابات الجديدة للاستشراق سيفطن إلى أنّها لم تعمل سوى على تأكيد الرواية الاستشراقية الكلاسيكية عن تحيّز المفكّرين العرب إلى الإسلام، من ثمّ، وجب تفنيد هذه المراجع العربيّة الإسلامية، لكن دون إحداث أيّ قطيعة إبستيمولوجية مع الكتابات الأولى، بل إنهّم لم يقدّموا سرديّة فكرية جديدة تنتقد الكتابات العربيّة، التي تناولت الإسلام، وإنّما ظلوا يعملون على تدوير أفكار القرن التاسع عشر، وهي في مجملها مبنيّة على حكايات ومشاهدات وقصص وأساطير. إنّ تملّك النقد المعرفي يُعدّ أحد أبرز العلامات المنهجية، التي ميّزت كتابات هشام جعيّط داخل الفكر العربي المعاصر وجعلته من الوجوه الفكرية الأخيرة داخل المنطقة المغاربيّة، التي ساجلت كبار المستشرقين في العالم، ليس لأنّه بزغ كمُدافع عن الحضارة العربيّة الإسلامية، وإنّما بسبب تحصّنه بأدوات معرفية ومناهج حديثة يعثر القارئ على بعض ملامحها المُضمرة داخل كتابات ماركس وهيجل وكلود ليفي ستراوس، بحيث أنّ المنهج الحفري، الذي اعتمده جعيّط، جعله يصل إلى استنتاجات وخلاصات بدت في ستينيات القرن الماضي جريئة، بالنظر إلى التجارب الفكرية الأخرى التي نقرأ لها، لأنّ منطلقاته المعرفية، كانت تاريخيّة وليست فكرية، فالمنهج الأركيولوجي المُعتمد، يغوص في طبقات مترسّبة ومنسيّة من تاريخ الإسلام المبكّر عن طريق الكشف عن أحداث وظواهر وإعادة التفكير فيها وغربلتها على ضوء هذه المصادر التاريخيّة الجديدة، التي تظهر هنا وهناك.
الكتابة الأركيولوجية

كل شيء يبدأ من التاريخ وينتهي داخله. فسؤال البدايات مشروع في وجه مختلف التأويلات، ومنه تتناسل الأسئلة القلقة حول كيف أصبح التاريخ الإسلامي مادة تخصّص فيها الغرب وأضحى يصنع خطابًا ميثولوجيًا حول الإسلام المبكّر وحضارته. لكن هل التاريخ، كما يفهمه جعيّط ويُبلور خطابه ومعالمه على مدار أكثر من نصف قرن، هل هو نفسه الذي نعثر عليه في كتابات بعض الأكاديميين داخل البلاد المَغاربيّة؟ قطعًا لا. لأنّه يحضر في فكر هشام جعيّط بوصفه منهجًا، لا يقف عند حدود مآزق وتعاقب أحداثه، أيْ أنّه يتبرّم من كل أحوال السرد وأنماط الحكي المعروفة والمُتداولة في التأريخ الإسلامي والتي يغلب عليها الاجترار والاعتماد على نفس المادة الأرشيفية، التي تصوغ الكتابة التاريخيّة، لكنّها تحكم عليها بإعادة توليف المعلومات والأحداث والقضايا، فقد قاده منهجه التاريخي منذ كتابه الهام “الكوفة: نشأة المدينة العربيّة الإسلامية (1986) إلى دراسة بنية المدينة العربيّة الإسلامية انطلاقًا من تخطيطاتها ومساحاتها وأحيائها وقصورها ومساجدها، فهو لا يتوقّف هنا عند عملية العرض والرصد، بل الحفر في المتخيّل الإسلامي، الذي ساهم في بروز وعي الاهتمام بالمدن الإسلامية، انطلاقًا من نموذج الكوفة بدءًا من الفتح العربي للعراق وتأسيس المدينة ومخطّطها المدني وأشكال فضاءاتها، وصولًا إلى الباب الثالث، الذي خصّصه لـ”الاستشراق والمدينة الإسلامية”، والذي شكّل البذرة الأولى لهشام جعيّط في فهم نوايا الاستشراق، الذي سيتصدّى له لاحقًا في كتابه حول السيرة النبويّة، ليس من وجهة نظر أدبية وفنية، وإنّما التركيز على الكتابات التاريخيّة ونقدها وإقامة نوع من السجال المعرفي الكبير معها، إذْ رغم النقد اللاذع الذي خصّه هشام جعيط للاستشراق، لم يُحرّك ساكنًا في الأوساط الأكاديميّة الغربية، في وقت تلاشى فيه الفكر الفرنسي الجادّ وأضحت بعض الدراسات، التي تصدر سنويًا حول الإسلام والأدب والفنّ وما يلحم أفقهما داخل الثقافة العربيّة، مجرّد تمارين كتابية تصلح لمشاريع كتب مستقبلية، والسبب هو نزعة الاستخفاف الذي اكتسحت عالم الثقافة في الغرب وسقوط الفكر الإيديولوجي، الذي كان سببًا في ميلاد السجال المعرفي خلال القرن العشرين بين الشرق والغرب.
“المنهج الأركيولوجي المُعتمد، يغوص في طبقات مترسّبة ومنسيّة من تاريخ الإسلام المبكّر عن طريق الكشف عن أحداث وظواهر وإعادة التفكير فيها وغربلتها”

هذا السكون الفكري والانحصار الثقافي، جعل هشام جعيّط يتوقف منذ سنوات عن الكتابة إلى حين رحيله الثلاثاء الفارط، تاركًا مشروعًا فكريًا ضخمًا، ربما لا يُجاريه من حيث كثافة القول ومتانة الحفر داخل المنطقة المغاربيّة، إلاّ عبد الله العروي، بحكم الهواجس التاريخيّة والفكرية، التي جمعتهما معًا على مدار سنوات طويلة من الألم والكتابة والتفكير في وضع المجتمعات العربيّة المعاصرة في قلب الوعي التاريخي، الذي تراجع الاهتمام به على حساب الفكر المجرّد، الوعي الذي جعلهم ينظرون إلى الوراء ليس للإقامة في سراديب الماضي، وإنّما للتعلّم من مسرح التاريخ وأحداثه وقادته.

ضفة ثالثة

Cet article في رحيل هشام جعيّط.. عن تملّك النقد المعرفيّ / أشرف الحساني est apparu en premier sur جمعية الأوان.

المفاتيح